ومن حين أن دخلت هذه الأنظمة طبّقت حذو القذة بالقذة وشبرًا بشبر وذراعًا بذراع كناية عن فائق العناية وكامل الرعاية بتحقيق التطبيق.
ولذلك اضمحل وتلاشى في دوائر العرب أن يقال: يقول الله كذا، يقول رسول الله كذا، ولوْ قيل ذلك فلا رأس يُرفع والعياذ بالله، أما دائم الذكر نافذ الأمر فهو النظام فإذا قيل: (النظام يقول كذا) خشعت الأصوات!!
وإن داعي ذلك كله وسببه هو التشبه بالكفار واستيراد نظاماتهم الطاغوتية.
وإن هذا لمن أعلام نبوة من لا ينطق عن الهوى صلى الله عليه وسلم ومعجزاته حيث وقع ما أخبر به على الكيفية التي أخبر بها، وهي أخبار جاءت على سبيل الذم والتحذير لمن فعل ذلك.
ولما أرادت دول العرب الإقتداء بالمغضوب عليهم والضالين في سنن حياتهم بربط الشعوب بالحكام وَوَصْل شئونهم كلها بنظامهم قامت بتغيير نظام الحكم فعملت الوزارات والدوائر على النمط المعمول به في الدول الكافرة.
ولما كانت هذه الدوائر والوزارات لا يسير عملها إلا بالكتَبَة والحسّابين الذين يُسَيِّرون النظام بحيث يؤمرون فيأتمرون ويُنهون فينتهون كان أعظم ضحايا هذا التحوّل العلم، حيث حُوِّل بمناهجه ونظامه إلى وسيلة لنيْل الدنيا والرئاسة إنتاج هذا الصنف بالاضافة إلى خلط علم الرسول صلى الله عليه وسلم مع علوم الكفار ولغاتهم حتى عُلق المدح على معرفة هذا وذاك والذم على عدم معرفة هذا وذاك مع أن المدح والذم أحكام شرعية تتَلقى من قِبَل الرسول صلى الله عليه وسلم فهو المبيِّن لمتعلقاتها كيف إذا انضاف إلى ذلك الاكتفاء بمعرفة ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم نظريًا دون اشتراط العمل كما هو حاصل في أنظمة التعليم المستوردة، فالتزكية تحصل بمجرد إجابة نظرية.
ولذلك يُزكي هذا النظام التعليمي الدخيل كلُّ من أجاب نظريًا مهما كان اعتقاده وعمله، وهذا خلاف ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، ولذلك أصبحت علوم الكفار معادلة للوحي المطهّر مزاحمة له.
ولأجل ذلك كله صُرفت الإرادة في طلب العلم إلى هذه الصورة الحاليّة في الدراسات النظامية لإنتاج الموظفين حتى صار العلم حِرفة لكسب المعاش ونيل الرئاسة بعد أن كان عبادة يُراد بها رضوان الله وجنته حينما كان الاقتصار على ميراث الرسول صلى الله عليه وسلم بلا مزاحم، وتلك هي الطريقة السلفية.