الْكَاذِبِينَ وقال في موضع آخر من (مختصر الصواعق) في معرض كلامه عن الصحابة رضي الله عنهم ونقْلهم أخبار رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، قال: (حتى أنهم يشهدون بذلك ويحلفون عليه ويُباهلون من خالفهم) انتهى.
قال ابن حجر في (فتح الباري 7/ 697) ـ بعد أن ذكر قصة وفد نجران وما فيها من الفوائد ـ، قال: (وفيها مشروعية مباهلة المخالف إذا أصر بعد ظهور الحجة، وقد دعا ابن عباس إلى ذلك ثم الأوزاعي، ووقع ذلك لجماعة من العلماء، ومما عُرف بالتجربة أن من باهل وكان مبطلًا لا تمضي عليه سنة من يوم المباهلة) ثم قال: (ووقع لي ذلك مع شخص كان يتعصب لبعض الملاحدة فلم يقم بعدها غير شهرين) انتهى المقصود من كلامه.
وقد بيّن السخاوي في كتابه: (القول المنبي عن ترجمة ابن عربي) مَن هو الشخص الذي باهل ومَن هو الملحد الذي تباهلوا لأجله حيث قال: (سمعت شيخنا ابن حجر رحمه الله مرارًا يقول: إنه جرى بيني وبين شخص يقال له ابن الأمين من المحبين لابن عربي منازعة كبيرة في أمر ابن عربي حتى نلت من ابن عربي لِسوء مقالته فلم يسهل ذلك بالرجل المنازع لي في أمره، وكان بمصر شيخ يقال له الشيخ صفاء فهدّدني المذكور بأن يُغريه بي فيذكر للسلطان أن بمصر جماعة منهم فلان يذكرون الصالحين بالسوء ونحو ذلك فقلت: ما للسلطان في هذا مدخل لكن نتباهل أنا وإياك في أمره لأنه قَلّ ما يتباهل اثنان فكان أحدهما كاذبًا إلا وأصيب [1] فأجاب للمباهلة، قال شيخنا: فقلت له: قل اللهم إن كان ابن عربي على ضلال فالعني بلعنتك فقال ذلك، وقلت أنا: اللهم إن كان ابن عربي على هدى فالعني بلعنتك، وافترقنا قال: وكان يسكن الروضة فاستضافه شخص من أبناء الجند جميل الصورة فحضر عنده لضيافته ثم بدا له عدم المبيت عنده وخرج في أول الليل وصحبه من يُشَيّعه إلى الشختور، فلما رجع أحَسّ بشيء مَرَّ على رجله فقال لأصحابه، مَرَّ على رجلي شيء ناعم فانظروا فلم يروْا شيئًا، وما رجع إلى منزله إلا وقد عَمِي بصره وما أصبح إلا ميتًا، وكان ذلك في ذي القعدة، وكانت المباهلة في رمضان في نفس السنة، قال: وكنت قد عَرَّفت من حضر أن من كان مبطلًا لا تمضي عليه السنة) انتهى كلامه.
وممن دعا إلى المباهلة الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب ـ رحمه الله ـ حيث قال في رسالته إلى عبد الله بن محمد ابن عبد اللطيف ـ رحمه الله ـ، قال: (وأنا أدعو من خالفني إلى أحد أربع: إما كتاب الله وإما سنة رسوله وإما إلى إجماع أهل العلم، فإن عاند دعوته إلى المباهلة كما دعا إليها ابن عباس في بعض المسائل في الفرائض وكما دعا إليها الأوزاعي سفيان في مسألة رفع اليدين وغيرهما من أهل العلم) انتهى من (الدرر السنية 1/ 41) [2] .
وتطلب المباهلة عندما يكون هناك أمر واقع فيه اشتباه وعناد لا يتهيأ دفعه إلا بالمباهلة فحينئذ تقام المناظرة وتقام الحجة وتبيّن وتزال الشبهة فإن لم يزل معاندًا مصرًا فحينئذ ينبغي العدول إلى ما أمر الله به رسوله - صلى الله عليه وسلم - من المباهلة، ولابد
من تقديم النصح والإنذار قبلها؛ وهي سنة ثابتة لكل من خالف وأصرّ على مخالفته، وقد ذكرها الله في كتابه كما تقدم، وأتت في كتب السنة، وقد فعلها أشد الناس اتباعًا لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأعلم الناس بعد الرسول وهم الصحابة، وفعلها بعدهم التابعون والعلماء، وقد تجب إذا تعيّنت مصلحة راجحة.
(1) المباهلة من جنس الدعاء فقد تستجاب وقد لا تستجاب، ولذلك قال ابن حجر: (لأنه قَلّ ما يتباهل اثنان فكان أحدهما كاذبًا إلا وأصيب) .
(2) ومن سخرية البهيجي وتلاعبه بالمباهلة لعلمه أننا ندعوه إليها ماقاله عني في كتابه ص 134: (أما ما ينقله عن الشيخ محمد بن عبدالوهاب فهو مع قبورية كفار) ، وانظر هنا استدلال الشيخ محمد بدعوة ابن عباس والأوزاعي للمباهلة في مسائل فرعية مع المسلمين!!.