شيخ الإسلام وتلميذه رحمهما الله تكلما في هذه المسائل ذبًا عن الدين بالرد على نفاة حكمة أحكم الحاكمين، ولأنهم أنكروا الرحمة والحكمة لظنهم دوام النار مع رب العالمين، وبيّنوا أن هذا الظن السوء هو الذي أوْقعهم في نفي الرحمة والحكمة.
6 ـ تهرّبه الواضح من المباهلة وتقليله من شأنها وهي التي أنزل الله في شأنها قرآنًا، وقوله: بأنها فقط خاصة بالرسول - صلى الله عليه وسلم - مع وفد نجران ومع الكفار فحسب، وقوله بأنها ليست مشروعة بين المسلمين، وجعله بأن طلبها مجرد تهرّب من الرجوع للكتاب والسنة، فما القول في هذا؟!.
الجواب: أما أن طلب المباهلة من الخصم المعاند مجرد تهرب من الرجوع للكتاب والسنة فعجيب هذا! لأننا لم نذكر المباهلة ابتداء ًوإنما بعد ذكر أدلة الكتاب والسنة على الفناء، فلمَّا لم يبق إلا العناد ذكرنا المباهلة.
والحقيقة أن الذي يرفض المباهلة هو المبطل لأنه مذعور وليس على يقين مما يقول!، ونحن دعونا للمباهلة لما ضُلّلنا
وبُدّعنا وظهر لنا العناد والظلم والبغي وذلك مع أدلة الكتاب والسنة.
وأما تهرّب البهيجي في كتابه (الاستنفار) من المباهلة فليس له إلا معنىً واحدًا وهو خوف الفضيحة لأنه مبطل!. ولدينا بحث كامل في موضوع المباهلة، وسوف أنقل هنا ـ إن شاء الله تعالى ـ بعضًا مما فيه مما يتبين به تخرّص البهيجي بل وجرأته وتهوّره بل وسخريته حيث تهكّم وسخر في خاتمة كتابه هذا بالمباهلة وهذا أمرٌ خطير نسأل الله السلامة!.
لقد أنزل الله المباهلة في كتابه الكريم، ففي سورة آل عمران في مجادلة نصارى نجران قال تعالى لنبيه - صلى الله عليه وسلم: {فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ} . وقال سبحانه في سورة البقرة في اليهود: {فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} وقد ذكر ابن القيم أن هذه الآية في المباهلة.
والمباهلة ليست خاصة بالرسول - صلى الله عليه وسلم - فقد دعا إليها الصحابة ومن بعدهم من علماء المسلمين، وهي ليست خاصة مع الكفار، ومن قال: إنها ليست مشروعة بين المسلمين فما هو دليله؟ لأن المثبت عليه الدليل والنافي عليه الدليل كذلك. قال ابن القيم ـ رحمه الله ـ في (زاد المعاد 3/ 643) في قصة وفد نجران ـ بعد أن ذكر قصتهم وما فيها من الفقه والفوائد ـ، قال: (ومنها أن السنة في مجادلة أهل الباطل إذا قامت عليهم حجة الله ولم يرجعوا بل أصروا على العناد أن يدعوهم إلى المباهلة، وقد أمر الله سبحانه بذلك رسوله - صلى الله عليه وسلم - ولم يقل: إن ذلك ليس لأمتك من بعدك، ودعا إليها ابن عمه عبد الله بن عباس من أنكر عليه بعض مسائل الفروع ولم ينكر عليه الصحابة، ودعا إليها الأوزاعي سفيانَ الثوري في مسألة رفعِ اليدين ولم ينكر عليه ذلك، وهذا من تمام الحجة) انتهى.
انظر قوله ـ رحمه الله ـ: (إنها سنة في مجادلة المبطلين) ، وقوله: (إنها للأمة من بعده) ، وكوْن ابن عباس رضي الله عنهما دعا إليها في مسألة من مسائل الفروع، وكذلك الأوزاعي؛ فهذا يكفي في بيان تهور وتدهور البهيجي
في المسألة، ومن شاء فلينظر ما قاله في ختام كتابه المشؤوم عن مسألة المباهلة!.
وقال ابن القيم ـ رحمه الله ـ في (مختصر الصواعق المرسلة للموصلي 2/ 359) ، قال: (والمناظرة إذا انتهت إلى هذا الحد لم يبق فيها فائدة وينبغي العدول إلى ما أمر الله به رسوله - صلى الله عليه وسلم - من المباهلة قال تعالى: فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِمَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى