يليق بأسمائه الحسنى وصفاته العلى وأنه لم يَتَسَمَّ بالغضبان بل بالرحمن وأنه يغضب يوم القيامة غضبًا لا يستمر إلى مالا نهاية ـ كما ورد في الحديث الصحيح ـ وأن رحمته تغلب غضبه مهما كان الغضب، كيف وكل الخلق مؤمنهم وكافرهم مفطورون على فطرة الإسلام، والكفر دخيل على الكافر طارئ على فطرته ليس أصليًا فيها فمن حكمة الحكيم أن خلق النار كالكير الذي يُزيل خبَث المعادن لتزيل طاريء الكفر بعد الخلود والتأبيد الذي هو بلغة القرآن المكث الطويل ثم يفعل الله ما يشاء كما قال سبحانه في سورة الأنعام بعد أن ذكر خلود الكفار في النار قال تعالى؟: {إِلاَّ مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيم ٌ} وقال سبحانه بعد أن ذكر خلودهم في سورة هود: {إِلاَّ مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ} وقال سبحانه عن الكفار في سورة النبأ: {لابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا} والأحقاب لو كانت آلاف السنين لابد أن تنتهي.
والقائلون بالعذاب الذي لا ينتهي لا يقدرون على إثبات حكمة خلق النار والتعذيب فيها، وهذا مذهب الجبرية الذين لا يُعللون أفعال الحكيم بالحكمة والرحمة ولذلك يحتجون بقوله تعالى: {لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ} وقد وقع في ذلك البهيجي نسأل الله السلامة!!.
ولقد فهم أهل السنة من الآية غير ما فهمت الجبرية ومن قلدهم فعلموا أنه سبحانه لا يسئل لكمال حكمته وحمده ورحمته وليس المعنى أن أفعاله لا تعلّل لاسيما دوام العذاب المحيّر للعقول، ولذلك تكلم أهل السنة في تعليل أفعال الله وذكروا العجب العجاب، ومن ضمن ذلك التعذيب والحكمة فيه [1] .
ومن هذا الباب تكلموا في خلق الأشقياء وحكمة التعذيب بينما البهيجي في كتابه يُهجّن الكلام في تعليل أفعال الله وحكمته!!، وهذا من جرأته على الحق!، ولذلك أوْصله جهله إلى مذهب الجبرية الذي لا يُعلّلون أفعال الرب سبحانه بالحكمة والحمد والرحمة وأنه لا يفعل لحكمة وغاية محمودة فاستدل على نفي حكمة التعذيب بقوله تعالى: {لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ} وهذا هو دليل الجبرية الذين يقولون أنه يفعل بمشيئة مجرّدة!!. وقد ذكر البهيجي هذه الآية
وتهجينه تعليلَ أفعال الحكيم سبحانه (!!) في كتابه المشؤوم (الاستنفار ص 12 و 126) .
والآية إنما هي على خلاف ما فهموا فهو سبحانه لا يُسئل عما يفعل لكمال حكمته وعمله وقدرته ورحمته ليس فقط لأنه يتصرف في ملكه وإنما لبيان أن تصرفه في ملكه على مقتضى هذا الكمال.
وأهل السنة ردوا على أهل البدع نفيهم حكمةَ الله ورحمتَه، وانظر ما في كتاب (مفتاح السعادة) من إثبات حكمة
الحكيم في مخلوقاته، وذكر ابن القيم في (شفاء العليل) الباب الثاني والعشرين في طرق إثبات حكمة الرب تعالى في خلقه وأمره وإثبات الغايات المطلوبة والعواقب الحميدة التي فَعَل وأمَرَ لأجلها، قال عن هذا الباب: (إنه أجل أبواب الكتاب)
أنظر مقدمة شفاء العليل؛ وبين هذا الباب والكلام على فناء النار مسافة طويلة، وفي كل ذلك يردّ ـ رحمه الله ـ شُبَه نفاة حكمة الحكيم سبحانه في قضائه وقدره حتى وصل إلى حكمة خلق النار والعذاب وهي مسألتنا، وفي الصواعق المرسلة تكلم عن تعليل أفعال الحكيم بكلام طويل حتى وصل إلى الكلام في فناء النار، فليس موضوع فناء النار إلا لإثبات حكمة الرب سبحانه في خلق الأشقياء وخلق إبليس والعذاب، ولا نلوم من لا يُدْركها فهمه لأنها أرفع من أن تنالها الفهوم القاصرة في وقتنا والإنسان يَسَعَه في أمور كثيرة أن يقول: الله أعلم، لكن يُلام من تكلم في نفي هذه الأمور الكبيرة وضلَّل وبدَّع، والمقصود أن
(1) وقد بلغني أن معاصرينا من بعض النصارى يتساءلون عن حكمة التعديب الذي لاينتهي، وليس عند من يقول بدوام العذاب سوى المشيئة المجردة، وهذا يبقي الحيرة بل ويزيدها حيرة، ومن أجل هذا بين شيخ الإسلام وتلميذه حكمة التعذيب وأن النار تفنى، وما عاب كلامهما إلا مبخوسُ حظٍّ من المنقول والمعقول!.