وأشارَ بقولِهِ: (مُسْتَتِرٍ أوْ بَارِزٍ) ، إلى أنَّ الْمُتَّصِلَ قِسمانِ: مُسْتَتِرٌ، وهوَ ما لا صُورةَ لهُ في اللفظِ، وبارِزٌ، وهوَ ما لهُ صورةٌ فيهِ، والْمُسْتَتِرُ أيضًا قِسمانِ: مُسْتَتِرٌ وُجوبًا، وهوَ ما لا يَخْلُفُه الظاهِرُ ولا الضميرُ المنفصِلُ، ومُسْتَتِرٌ جوازًا، وهوَ ما يَخْلُفُهُ الظاهِرُ أو الضميرُ المنفصِلُ، هذا تقسيمُ الجمهورِ. وذَهَبَ بعضُهم إلى أنَّ الاستتارَ واجبٌ دائمًا.
غايةُ الأمرِ أنَّ العامِلَ تارةً يَرْفَعُ الضميرَ فقطْ، وتَارةً يَرفَعُ الضميرَ والظاهِرَ. (أوْ مُنْفَصِلْ) عنْ عامِلِه، وهوَ ما يُبْتَدَأُ بهِ أوْ يَقَعُ بعدَ إلَّا في الاختيارِ. وهذا القِسْمُ لا يكونُ إلَّا بارزًا؛ فلذلكَ خُصَّ التقسيمُ إلى مُسْتَتِرٍ وبارِزٍ بالقِسْمِ الأوَّلِ.
(ثاني المعارِفِ) ، أَي: الثاني منها، (الشهيرُ) ، أَي: المشهورُ، (بالعَلَمْ) ، شَخصيًّا كانَ أوْ جِنْسِيًّا، والأوَّلُ: ما وُضِعَ لِمُعَيَّنٍ في الخارِجِ كزيدٍ وعمرٍو، والثاني: ما وُضِعَ لِمُعَيَّنٍ في الذهْنِ كأُسامةَ.
وقدْ قَسَّمُوا العَلَمَ إلى ثلاثةِ أَقسامٍ، وهيَ: اسمٌ وكُنْيَةٌ ولَقَبٌ.
ومَثَّلَ للأوَّلِ بقولِهِ: (كجَعْفَرٍ) ، هوَ في الأَصْلِ اسمٌ للنَّهْرِ الصغيرِ، ثمَّ سُمِّيَ بهِ، (ومَكَّةٍ) بالتنوينِ للضرورةِ، وهيَ اسمٌ للبَلَدِ الْمُشَرَّفَةِ، (وكالْحَرَمْ) ، هوَ اسمٌ للمَوْضِعِ المحدودِ حَوَالَيْ مَكَّةَ بحدودٍ معلومةٍ.
(وَ) مَثَّلَ للثاني بقولِهِ: كَـ (أُمِّ عمرٍو وأبي سعيدْ) ، وابنِ زيدٍ وبنتِ خالدٍ.
(وَ) مَثَّلَ للثالثِ بقولِهِ: (نحوَ: كَهْفُ الظُّلْمِ) ، أَيْ: مَأْوَى الظلْمِ ومَحَلِّهِ، (والرشيدْ) ، هوَ الذي يَضَعُ الشيءَ في مَحَلِّهِ. وقدْ ذَكَرَ ضابِطَ كلٍّ من الثلاثةِ بقولِهِ: (فما أَتَى منْهُ) بالإشباعِ، أَيْ: من العَلَمِ حالَ كونِه مَصْدَرًا، (بأمٍّ أوْ بِأَبْ) أوْ بابنٍ أوْ بِبنتٍ، (فكُنْيَةٌ) ، فضَابِطُها كلُّ ما صُدِّرَ بأبٍ أوْ أمٍّ أو ابنٍ أوْ بنتٍ، (وغيرُه) ، أَيْ: غيرُ ما أَتَى إلخ، (اسْمٌ أوْ لَقَبْ) ، وإذا أَرَدْتَ الفَرْقَ بينَهما (فما بِمَدْحٍ أوْ بِذَمٍّ مُشْعِرُ) ، أَيْ: فما هوَ مُشْعِرٌ بِمَدْحٍ أوْ بِذَمٍّ، (فلَقَبٌ) ، فضابِطُه كلُّ ما لمْ يُصَدَّرْ بما ذُكِرَ وأَشْعَرَ بِمَدْحٍ أوْ ذَمٍّ، (والاسمُ ما لا يُشْعِرُ) بذلكَ، فضابِطُه كلُّ ما لا يُصَدَّرُ بما ذُكِرَ ولمْ يُشْعِرْ بمدْحٍ أوْ ذَمٍّ.
(ثالثُها) ، أَي: الثالثُ من المعارِفِ، (إشارةٌ) ، أَي: اسمُ إشارةٍ، (كذَا) للمُفْرَدِ المذكَّرِ ولوْ حُكْمًا؛ لصِحَّةِ قولِكَ: ذا الجمْعُ، وذا الفريقُ، (وذِي) وذَهْ بالإسكانِ، وذَهِ بالكسْرِ معَ الاختلاسِ، وذِهِي بالكسْرِ معَ الإشباعِ، وذاتِ للمُفْرَدَةِ المؤنَّثَةِ ولوْ حُكْمًا؛ لصِحَّةِ قولِكَ: ذِي الجماعةِ وذِي الفِرْقَةِ، وذانِ للمُثَنَّى الْمُذَكَّرِ، وتانِ للمُثَنَّى المؤنَّثِ، وأُولاءِ بالْمَدِّ والقَصْرِ للجَمْعِ مُطْلَقًا.
فالْمُشارُ إليه إمَّا أنْ يكونَ مُفْرَدًا مُذَكَّرًا أوْ مؤنَّثًا، وإمَّا أنْ يكونَ مُثَنًّى مذَكَّرًا أوْ مؤنَّثًا، وإمَّا أنْ يكونَ جَمْعًا مُذَكَّرًا أوْ مُؤنَّثًا، فهذهِ سِتَّةٌ. لكنَّ صيغةَ المذكَّرِ والمؤنَّثِ في الجمْعِ واحدةٌ، وكلٌّ منْ هذهِ الستَّةِ إمَّا قريبَ المسافَةِ أوْ بعيدَها أوْ متوسِّطَها