(فحَذْفُ نونِ الرَّفْعِ) ، أَي: التي تكونُ عَلَامَةً للرَّفْعِ، (قَطْعًا يَلْزَمُ) ، أَيْ: لُزومًا مَقطوعًا بهِ، (في الْخَمسةِ الأفعالِ) ، أَيْ: في الأفعالِ الْخَمسةِ الْمُتَقَدَّمَةِ، (حيثُ تُجْزَمُ) ، أَيْ: في حالةِ جَزْمِها، نحوَ: لمْ يَضْرِبَا، ولمْ تَضْرِبَا، ولمْ يَضْرِبُوا، ولمْ تَضْرِبوا، ولمْ تَضْرِبِي، فهذهِ كلُّها مَجزومةٌ، وعَلَامَةُ جَزْمِها حذْفُ النونِ.
(وبالسكونِ اجْزِمْ) فِعْلًا (مضارِعًا) بشَرْطِ أنْ يكونَ قدْ (سَلِمْ * من كونِه) ، أَي: المضارِعِ، (بحرْفِ عِلَّةٍ خُتِمْ) ، بهِ يَتَعَلَّقُ الجارُّ والمجرورُ قبلَهُ، والأصْلُ: خُتِمَ بحرفِ عِلَّةٍ، وقدْ فَصَّلَ ذلكَ بقولِهِ: (إمَّا بواوٍ أوْ بياءٍ أوْ) بـ (ألِفْ) ، وبِشَرْطِ أنْ لا يَتَّصِلَ بآخِرِه شيءٌ يُوجِبُ بِناءَهُ أوْ يَنْقُلُ إعرابَهُ:
فالأوَّلُ: نونُ التوكيدِ بقسْمَيْها، ونونُ الإناثِ.
والثاني: ألِفُ الاثنينِ وواوُ الجماعةِ وياءُ المخاطَبَةِ، ولمْ يُنَبِّهْ على ذلكَ اتِّكَالًا على عِلْمِه ممَّا سَبَقَ.
ولا يَخْفَى أنَّ مِثالَ الفعْلِ المذكورِ، نحوَ: لمْ يَضْرِبْ، وفي التزيلِ: {لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ} ، فكُلٌّ منْ ذلكَ مَجزومٌ، وعَلَامَةُ جَزْمِه السكونُ. (وجَزْمُ مُعْتَلٍّ بها) ، أَيْ: بالواوِ نحوَ: يَغْزُو، أوْ بالياءِ نحوَ: يَهتدِي، أوْ بالألِفِ نحوَ: يَخْشَى، بِـ (أنْ تَنْحَذِفْ) ، أَيْ: بحَذْفِها، فتقولُ: لمْ يَغْزُ، لمْ يَهْتَدِ، ولمْ يَخْشَ، فكلٌّ منها مَجزومٌ، وعَلَامَةُ جَزْمِه حَذْفُ حَرْفِ العِلَّةِ. وعلى هذا فحَرْفُ العِلَّةِ حُذِفَ بالجازِمِ لا عندَ الجازِمِ. وذَهَبَ سِيبَوَيْهِ إلى أنَّهُ حُذِفَ عندَ الجازِمِ لا بالجازِمِ، والمحذوفُ بهِ إنَّما هوَ الحرَكَةُ الْمُقَدَّرَةُ، وأمَّا حَرْفُ العِلَّةِ فإنَّما حُذِفَ لالتباسِ المجزومِ بالمرفوعِ. وعَدَمُ حذْفِ حرْفِ العِلَّةِ في قولِ الشاعرِ:
هَجَوْتُ زبَّانَ ثمَّ جِئْتُ مُعْتَذِرًا ... * ... مِنْ هَجْوِ زبَّانَ لمْ تَهْجُو ولمْ تَدَع
للضرورةِ. وقيلَ: الحرْفُ الأصلِيُّ محذوفٌ، والمذكورُ إنَّما هوَ حَرْفُ إشباعٍ. وكذلكَ يُقالُ في قولِ الآخَرِ:
ألم يَأْتِيكَ والأَنْبَاءُ تَنْمِي ... * ... بما لَاقَتْ لَبُونُ بَنِي زِياد
ومَحَلُّ تَعَيُّنِ حَذْفِ حرْفِ العِلَّةِ للجازِمِ إذا كانَ أَصْلِيًّا، وإلَّا بأنْ كانَ بَدَلًا منْ هَمْزَةٍ كما في يُوضِو ويَقْرَا، جازَ الإثباتُ والحذْفُ بِناءً على عَدَمِ الاعتدادِ بالعارِضِ والاعتدادِ بهِ، والأوَّلُ هوَ الأكثَرُ، وهذا إذا كانَ الإبدالُ قَبْلَ دخولِ الجازِمِ، وهوَ حينئذٍ شاذٌّ؛ لكونِ الهمزةِ متَحَرِّكَةً، والحرْفُ المتحرِّكُ مُتَعَاصٍ بالحرَكَةِ عن الإبدالِ، فإنْ كانَ بعدَ دخولِ الجازِمِ امْتَنَعَ الحذْفُ لاستيفاءِ الجازِمِ مُقْتَضَاهُ، والإبدالُ حينئذٍ قِياسيٌّ؛ لكونِ الهمزةِ حينئذٍ ساكنةً، وإبدالُ الهمزةِ الساكنةِ منْ جِنْسِ حركةِ ما قَبْلَها قِياسيٌّ.