ونحوَ: {قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ} ، بخلافِ المتحرِّكَةِ أصالةً، فَلَيْسَتْ علامةً للفعلِ, واحْتَرَزْنَا بقولِنَا: للمسندِ إليهِ عن تاءِ رُبَّتَ وَثُمَّت، فَإِنَّهَا فيهِمَا لتأنيثِ اللفظةِ، (و) بصحَّةِ دخولِ (تاءِ) الفاعلِ، وهي التي في (فَعَلْتُ مُطْلَقًا) أي: سواءً كانتْ للمُتَكَلِّمِ بأنْ كانتْ مضمومةً، أو للمخاطَبِ بأنْ كانتْ مفتوحةً، أو للمخاطَبةِ بأنْ كانتْ مكسورةً، فالأُولَى كما في قولِكَ: جِئْتُ لكَ، والثانيةُ (كما) في قولِكَ: (جِئْتَ) يا زيدُ (لِي) ، والثالثةُ كما في قولِكَ: جِئْتِ يا هندُ لِي، وكلٌّ مِن تاءِ التأنيثِ الساكنةِ وتاءِ الفاعلِ مُخْتَصٌّ بالماضِي, (و) بِقَبُولِ (النونِ) التي للتوكيدِ, خفيفةً كانتْ أو ثقيلةً, مع دلالتِهِ على الطلبِ، (و) بِقَبُولِ (الياءِ) التي للمخاطبةِ مع الدلالةِ المذكورةِ, فالأَوَّلُ كما (في) قولِكَ: (افْعَلَنَّ) بتشديدِ النونِ, ومثلُهُ افْعَلَنْ بِتَخْفِيفِهَا، (و) الثانِي كَمَا في قولِكَ: (افْعَلِي) يا هندُ، وكلٌّ من النونِ مع الدلالةِ على الطلبِ, ومن الياءِ معها مُخْتَصٌّ بفعلِ الأمرِ, وعُلِمَ من اعتبارِ الدلالةِ أيضًا أنَّ هذهِ العلامةَ مُرَكَّبَةٌ، فالناظمُ اقْتَصَرَ على أحدِ الجُزْأَيْنِ, ولَعَلَّ تَرْكَ الأصلِ لهذهِ العلامةِ لِعُسْرِهَا على المُبْتَدِي بسببِ تَرَكُّبِهَا من شَيْئَيْنِ كما عَلِمْتَ.
(تنبيهٌ) : قد عَرَفْتَ مِمَّا تَقَدَّمَ أنَّ علامةَ الفعلِ أقسامٌ أربعةٌ، منها ما هوَ مُشْتَرَكٌ بينَ الماضي والمضارعِ، ومنها ما هو مُخْتَصٌّ بالمضارعِ، ومنها ما هو مُخْتَصٌّ بالماضي، ومنها ما هوَ مُخْتَصٌّ بالأمرِ.
*ولَمَّا أَنْهَى الكلامَ على علاماتِ الفعلِ شَرَعَ في الكلامِ على علاماتِ الحرفِ، فقالَ: (والحرفُ) المُتَقَدِّمُ في التقسيمِ فألْ فيهِ للعهدِ الذِّكْرِيِّ, كَمَا تَقَدَّمَ في كلٍّ من الاسمِ والفعلِ.
*واعلمْ أنَّ الحرفَ لهُ أيضًا حَدٌّ وحُكْمٌ واشتقاقٌ وعلامةٌ.
*فَحَدُّهُ لُغَةً: الطَّرَفُ، واصطلاحًا: كلمةٌ دَلَّتْ على معنًى في غيرِهَا.
*وحُكْمُهُ البناءُ, ولم يَجِئْ منهُ شيءٌ على خلافِ الأصلِ.
*واشتقاقُهُ من التحرُّفِ وهو التَّطَرُّفِ.
*وعلامتُهُ عَدَمِيَّةٌ, كما أشارَ إليهِ بقولِهِ: (لمْ يَصْلُحْ لَهُ عَلَامَةٌ) تُمَيِّزُهُ عن قَسِيمَيْهِ، (إلَّا انْتَفَا قَبُولِهِ العلَامَةَ) التي لِكُلٍّ من الاسمِ والفعلِ، فعدمُ العلامةِ لهُ علامةٌ، لا يُقَالُ: العَدَمُ لا يَصِحُّ أنْ يكونَ علامةً لأنَّا نقولُ: مَحَلُّ ذلكَ في العَدَمِ المطلَقِ بخلافِ المُقَيَّدِ كما هنا؛ لأنَّ المُرَادَ عَدَمُ علامةِ الاسمِ والفعلِ, لا العدمُ مُطْلَقًا، فإنْ قيلَ: لِمَ جَعَلُوا علامةَ الاسمِ والفعلِ وُجُودِيَّةً, وعلامةَ الحرفِ عَدَمِيَّةً، وَلِمَ يَعْكِسُوا؟ أُجِيبَ بأنَّ ذلكَ للتنَاسُبِ بينَ كلٍّ وعلامتِهِ، فإنَّ الاسمَ والفعلَ أَشْرَفُ من الحرفِ، والعلامةُ الوجوديَّةُ أَشْرَفُ من العَدَمِيَّةِ، فَجَعَلُوا الأشرفَ للأشرفِ والأخَسَّ للأخسِّ.