فهرس الكتاب

الصفحة 43 من 306

الوجه الثاني: أن عليًّا لازم زوجته فاطمةَ بنت محمد - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا- طيلة حياتها، وبعد خصامها مع أبي بكر - رضي الله عنه -، ومفاد هذه الخصومة هو عدم معرفتِهما بحديث النبي - صلى الله عليه وسلم - لما قال - صلى الله عليه وسلم:"إِنَّ الْأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا وَرَّثُوا الْعِلْمَ".

فظل أبو بكر - رضي الله عنه - مُتمسكًا بقول النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - إلى أن ماتت فاطمة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا- وظل عليٌّ - رضي الله عنه - ملازمًا زوجته - صلى الله عليه وسلم - إلى أن ماتت- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا- .... ولكنه في كل الأحوال بايع، ولم يعلن رفضه أبدًا قبل بيعتيه ولم يكونا البتة على خصام ...

يدلل على ذلك ما جاء في الآتي:

1 -قال النووي في شرحه: أَمَّا تَأَخُّر عَلِيّ - رضي الله عنه - عَنْ الْبَيْعَة فَقَدْ ذَكَرَهُ عَلِيّ فِي هَذَا الْحَدِيث، وَاعْتَذَرَ أَبُو بَكْر - رضي الله عنه - وَمَعَ هَذَا فَتَأَخُّره لَيْسَ بِقَادِحٍ فِي الْبَيْعَة، وَلَا فِيهِ. أَمَّا الْبَيْعَة: فَقَدْ اِتَّفَقَ الْعُلَمَاء عَلَى أَنَّهُ لَا يُشْتَرَط لِصِحَّتِهَا مُبَايَعَة كُلّ النَّاس، وَلَا كُلّ أَهْل الْحَلّ وَالْعِقْد، وَإِنَّمَا يُشْتَرَط مُبَايَعَة مَنْ تَيَسَّرَ إِجْمَاعهمْ مِنْ الْعُلَمَاء وَالرُّؤَسَاء وَوُجُوه النَّاس، وَأَمَّا عَدَم الْقَدْح فِيهِ فَلِأَنَّهُ لَا يَجِب عَلَى كُلّ وَاحِد أَنْ يَأْتِيَ إِلَى الْأَمَام فَيَضَع يَده فِي يَده وَيُبَايِعهُ، وَإِنَّمَا يَلْزَمهُ إِذَا عَقَدَ أَهْل الْحَلّ وَالْعَقْد لِلْإِمَامِ الِانْقِيَاد لَهُ، وَأَلَّا يُظْهِر خِلَافًا، وَلَا يَشُقّ الْعَصَا، وَهَكَذَا كَانَ شَأْن عَلِيّ - رضي الله عنه - فِي تِلْكَ الْمُدَّة الَّتِي قَبْلَ بَيْعَته، فَإِنَّهُ لَمْ يُظْهِر عَلَى أَبِي بَكْر خِلَافًا وَلَا شَقَّ الْعَصَا، وَلَكِنَّهُ تَأَخَّرَ عَنْ الْحُضُور عِنْده لِلْعُذْرِ الْمَذْكُور فِي الْحَدِيث، وَلَمْ يَكُنْ اِنْعِقَاد الْبَيْعَة وَانْبِرَامُهَا مُتَوَقِّفًا عَلَى حُضُوره، فَلَمْ يَجِب عَلَيْهِ الْحُضُور لِذَلِكَ وَلَا لِغَيْرِهِ، فَلَمَّا لَمْ يَجِب لَمْ يَحْضُر، وَمَا نُقِلَ عَنْهُ قَدْح فِي الْبَيْعَة وَلَا مُخَالَفَة، وَلَكِنْ بَقِيَ فِي نَفْسه عَتَب فَتَأَخَّرَ حُضُوره إِلَى أَنْ زَالَ الْعَتَب، وَكَانَ سَبَب الْعَتَب أَنَّهُ مَعَ وَجَاهَته وَفَضِيلَته فِي نَفْسه فِي كُلّ شَيْء، وَقُرْبه مِنْ النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - وَغَيْر ذَلِكَ، رَأَى أَنَّهُ لَا يَسْتَبِدّ بِأَمْرٍ إِلَّا بِمَشُورَتِهِ وَحُضُوره، وَكَانَ عُذْر أَبِي بَكْر وَعُمَر وَسَائِر الصَّحَابَة وَاضِحًا؛ لِأَنَّهُمْ رَأَوْا الْمُبَادَرَة بِالْبَيْعَةِ مِنْ أَعْظَم مَصَالِح الْمُسْلِمِينَ، وَخَافُوا مِنْ تَأْخِيرهَا حُصُول خِلَاف وَنِزَاع تَتَرَتَّب عَلَيْهِ مَفَاسِد عَظِيمَة، وَلِهَذَا أَخَّرُوا دَفْن النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - حَتَّى عَقَدُوا الْبَيْعَة لِكَوْنِهَا كَانَتْ أَهَمَّ الْأُمُور؛

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت