وَاتَّقَى - إِلَى قَوْلِهِ - لِلْعُسْرَى، وَهُوَ عِنْدَ أَحْمَدَ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، لَكِنْ لَيْسَ فِيهِ آخِرِهِ. وقَوْلُهُ:"مُنْفِقَ مَالٍ"؛ بِالْإِضَافَةِ. وَلِبَعْضِهِمْ:"مُنْفِقًا مَالًا خَلَفًا"، وَمَالًا مَفْعُولُ مُنْفِقَ، بِدَلِيلِ رِوَايَةِ الْإِضَافَةِ وَلَوْلَاهَا احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ مَفْعُولَ أَعْطَى، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى، وَهِيَ أَنَّ سِيَاقَ الْحَدِيثِ لِلْحَضِّ عَلَى إِنْفَاقِ الْمَالِ، فَنَاسَبَ أَنْ يَكُونَ مَفْعُولُ مُنْفِقَ، وَأَمَّا الْخَلَفُ فَإِبْهَامُهُ أَوْلَى لِيَتَنَاوَلَ الْمَالَ وَالثَّوَابَ وَغَيْرَهُمَا، وَكَمْ مِنْ مُتَّقٍ مَاتَ قَبْلَ أَنْ يَقَعَ لَهُ الْخَلَفُ الْمَالِيُّ فَيَكُونُ خِلْفَهُ الثَّوَابُ الْمُعَدُّ لَهُ فِي الْآخِرَةِ، أَوْ يَدْفَعُ عَنْهُ مِنَ السُّوءِ مَا يُقَابِلُ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ حَدَّثَنِي أَخِي) هُوَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ، وَسُلَيْمَانُ هُوَ ابْنُ بِلَالٍ، وَأَبُو الْحُبَابِ بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَمُوَحَّدَتَيْنِ، الْأُولَى خَفِيفَةٌ، وَسَمَّاهُ مُسْلِمٌ فِي رِوَايَتِهِ سَعِيدَ بْنَ يَسَارٍ وَهُوَ عَمُّ مُعَاوِيَةَ الرَّاوِي عَنْهُ، وَمُزَرِّدٌ بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الزَّايِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ الثَّقِيلَةِ، وَاسْمُ أَبِي مُزَرِّدٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ، وَهَذَا الْإِسْنَادُ كُلُّهُ مَدَنِيُّونَ.
قَوْلُهُ: (مَا مِنْ يَوْمٍ) فِي حَدِيثِ أَبِي الدَّرْدَاءِ: مَا مِنْ يَوْمٍ طَلَعَتْ فِيهِ الشَّمْسُ إِلَّا وَبِجَنْبَتَيْهَا مَلَكَانِ يُنَادِيَانِ يَسْمَعُهُ خَلْقُ اللَّهِ كُلُّهُمْ، إِلَّا الثَّقَلَيْنِ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، هَلُمُّوا إِلَى رَبِّكُمْ، إِنَّ مَا قَلَّ وَكَفَى خَيْرٌ مِمَّا كَثُرَ وَأَلْهَى، وَلَا غَرَبَتْ شَمْسُهُ إِلَّا وَبِجَنْبَتَيْهَا مَلَكَانِ يُنَادِيَانِ. فَذَكَرَ مِثْلَ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ.
قَوْلُهُ: (إِلَّا مَلَكَانِ) فِي حَدِيثِ أَبِي الدَّرْدَاءِ:"إِلَّا وَبِجَنْبَتَيْهَا مَلَكَانِ". وَالْجَنْبَةُ بِسُكُونِ النُّونِ: النَّاحِيَةُ. وَقَوْلُهُ:"خَلَفًا"؛ أَيْ: عِوَضًا.
قَوْلُهُ: (أَعْطِ مُمْسِكًا تَلَفًا) التَّعْبِيرُ بِالْعَطِيَّةِ فِي هَذَا لِلْمُشَاكَلَةِ، لِأَنَّ التَّلَفَ لَيْسَ بِعَطِيَّةٍ. وَأَفَادَ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ الْكَلَامَ الْمَذْكُورَ مُوَزَّعٌ بَيْنَهُمَا،