فهرس الكتاب

الصفحة 61 من 684

وَثَانِيهَا: أَنَّ قَوْلَهُ: (مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ) هُوَ الَّذِي قَدْ صَحَّ مِلْكُهُ لِلْمَالِكِ وَأُمِرَ بِإِخْرَاجِ بَعْضِهِ، وَمَالُ الْكِتَابَةِ لَيْسَ بِدَيْنٍ صَحِيحٍ ; لِأَنَّهُ عَلَى عَبْدِهِ وَالْمَوْلَى لَا يَثْبُتُ لَهُ عَلَى عَبْدِهِ دَيْنٌ صَحِيحٌ.

وَثَالِثُهَا: أَنَّ مَا آتَاهُ اللَّهُ فَهُوَ الَّذِي يَحْصُلُ فِي يَدِهِ وَيُمْكِنُهُ التَّصَرُّفُ فِيهِ، وَمَا سَقَطَ عَقِيبَ الْعَقْدِ لَمْ يَحْصُلْ لَهُ عَلَيْهِ يَدُ مِلْكٍ، فَلَا يَسْتَحِقُّ الصِّفَةَ بِأَنَّهُ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاهُ، فَإِنْ قِيلَ هَاهُنَا وَجْهَانِ يَقْدَحَانِ فِي صِحَّةِ هَذَا التَّأْوِيلِ:

أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ كَيْفَ يَحِلُّ لِمَوْلَاهُ إِذَا كَانَ غَنِيًّا أَنْ يَأْخُذَ مِنْ مَالِ الصَّدَقَةِ.

وَالثَّانِي: أَنَّ قَوْلَهُ: (وَآتُوهُمْ) مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ: (فَكَاتِبُوهُمْ) فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ الْمُخَاطَبُ فِي الْمَوْضِعَيْنِ وَاحِدًا، وَعَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ يَكُونُ الْمُخَاطَبُ فِي الْآيَةِ الْأُولَى السَّادَاتِ، وَفِي الثَّانِي سَائِرَ الْمُسْلِمِينَ. قُلْنَا: أَمَّا الْأَوَّلُ فَجَوَابُهُ أَنَّ تِلْكَ الصَّدَقَةَ تَحِلُّ لِمَوْلَاهُ، وَكَذَلِكَ إِذَا لَمْ تَقِفِ الصَّدَقَةُ بِجَمِيعِ النُّجُومِ وَعَجَزَ عَنْ أَدَاءِ الْبَاقِي، كَانَ لِلْمَوْلَى مَا أَخَذَهُ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَأْخُذْهُ بِسَبَبِ الصَّدَقَةِ، وَلَكِنْ بِسَبَبِ عَقْدِ الْكِتَابَةِ كَمَنِ اشْتَرَى الصَّدَقَةَ مِنَ الْفَقِيرِ أَوْ وَرِثَهَا مِنْهُ.

يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِي حَدِيثِ بَرِيرَةَ"هُوَ لَهَا صَدَقَةٌ وَلَنَا هَدِيَّةٌ". وَالْجَوَابُ: عَنِ الثَّانِي أَنَّهُ قَدْ يَصِحُّ الْخِطَابُ لِقَوْمٍ، ثُمَّ يَعْطِفُ عَلَيْهِ بِمِثْلِ لَفْظِهِ خِطَابًا لِغَيْرِهِمْ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: (إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ) [الطَّلَاقِ: 1] فَالْخِطَابُ لِلْأَزْوَاجِ ثُمَّ خَاطَبَ الْأَوْلِيَاءَ بِقَوْلِهِ: (فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ) [الْبَقَرَةِ: 232] وَقَوْلِهِ: (مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ) [النُّورِ: 26] وَالْقَائِلُونَ غَيْرُ الْمُبَرَّئِينَ فَكَذَا هَاهُنَا قَالَ لِلسَّادَةِ (فَكَاتِبُوهُمْ) وَقَالَ لِغَيْرِهِمْ (وَآتُوهُمْ) أَوْ قَالَ لَهُمْ وَلِغَيْرِهِمْ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت