قَوْلُ مُحَمَّدٍ بِن عَلِيٍّ بِن مُحَمَّدٍ الشَّوْكَانِيِّ فِي تَعْلِيقِهِ عَلَى الحَدِيثِ
"فَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الْغَازِيَ إذَا جَهَّزَ نَفْسَهُ وَقَامَ بِكِفَايَةِ مَنْ يَخْلُفُهُ بَعْدُ كَانَ لَهُ الْأَجْرُ مَرَّتَيْنِ."
وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: لَفْظَةُ نِصْفِ يَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ مُقْحَمَةً مِنْ بَعْضِ الرُّوَاةِ. وَقَدْ احْتَجَّ بِهَذَا مَنْ ذَهَبَ إلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْأَحَادِيثِ الَّتِي وَرَدَتْ بِمِثْلِ ثَوَابِ الْفِعْلِ حُصُولُ أَصْلِ الْأَجْرِ لَهُ بِغَيْرِ تَضْعِيفٍ، وَأَنَّ التَّضْعِيفَ يَخْتَصُّ بِمَنْ بَاشَرَ الْعَمَلَ. قَالَ: وَلَا حُجَّةَ لَهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ لِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لَا يَتَنَاوَلُ مَحَلَّ النِّزَاعِ ; لِأَنَّ الْمَطْلُوبَ إنَّمَا هُوَ أَنَّ الدَّالَّ عَلَى الْخَيْرِ مَثَلًا هَلْ لَهُ مِثْلُ أَجْرِ فَاعِلِهِ مَعَ التَّضْعِيفِ أَوْ بِغَيْرِ تَضْعِيفٍ؟ وَالْحَدِيثُ الْمَذْكُورُ إنَّمَا يَقْتَضِي الْمُشَارَكَةَ وَالْمُشَاطَرَةَ فَافْتَرَقَا. ثَانِيهِمَا: مَا تَقَدَّمَ مِنْ احْتِمَالِ كَوْنِ لَفْظَةِ نِصْفِ زَائِدَةً. قَالَ الْحَافِظُ: لَا حَاجَةَ لِدَعْوَى زِيَادَتِهَا بَعْدَ ثُبُوتِهَا فِي الصَّحِيحِ، وَاَلَّذِي يَظْهَرُ فِي تَوْجِيهِهَا أَنَّهَا أُطْلِقَتْ بِالنِّسْبَةِ إلَى مَجْمُوعِ الثَّوَابِ الْحَاصِلِ لِلْغَازِي وَالْخَالِفِ لَهُ بِخَيْرٍ، فَإِنَّ الثَّوَابَ إذَا انْقَسَمَ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ كَانَ لِكُلٍّ مِنْهُمَا مِثْلُ مَا لِلْآخَرِ فَلَا تَعَارُضَ بَيْن الْحَدِيثَيْنِ.
وَأَمَّا مَنْ وُعِدَ بِمِثْلِ ثَوَابِ الْعَمَلِ وَإِنْ لَمْ يَعْمَلْهُ إذَا كَانَ لَهُ فِيهِ دَلَالَةٌ أَوْ مُشَارَكَةٌ أَوْ نِيَّةٌ صَالِحَةٌ فَلَيْسَ عَلَى إطْلَاقِهِ فِي عَدَمِ التَّضْعِيفِ لِكُلِّ أَحَدٍ، وَصَرْفُ الْخَبَرِ عَنْ ظَاهِرِهِ يَحْتَاجُ إلَى مُسْتَنَدٍ، وَكَأَنَّ مُسْتَنَدَ الْقَائِلِ: أَنَّ الْعَامِلَ يُبَاشِرُ الْمَشَقَّةَ بِنَفْسِهِ بِخِلَافِ الدَّالِّ وَنَحْوِهِ، لَكِنْ مَنْ يُجَهِّزُ الْغَازِيَ بِمَالِهِ مَثَلًا، وَكَذَا مَنْ يَخْلُفُهُ فِيمَنْ تَرَكَ بَعْدَهُ يُبَاشِرُ شَيْئًا مِنْ الْمَشَقَّةِ، أَيْضًا فَإِنَّ الْغَازِيَ لَا يَتَأَتَّى مِنْهُ الْغَزْوُ إلَّا بَعْدَ أَنْ يُكْفَى ذَلِكَ الْعَمَلَ فَصَارَ كَأَنَّهُ يُبَاشِرُ مَعَهُ الْغَزْوَ بِخِلَافِ مَنْ