هذا ما ارتضاه شيخنا رحمه الله، وذلك أن من مذهبه نفي الأحوال وإبطال القول بها، وأن كون العالم عالمًا عين العلم.
والقاضي يميل إلى القول بالأحوال، ويزعم أن كون العالم عالمًا حال زائدة على الذات والعلم، وربما ينفي الأحوال في بعض أجوبته.
واستقام قول شيخنا عل مقتضى أصله، وإنما تردد القاضي لما أشرتُ إليه، فإنه لم يستفد العلم بكون العالم عالمًا مع عدم العلم بثبوت العلم.
واستدل على ذلك بأن قال: من يعتقد نفي الأعراض يعلم ضرورة كونه متألمًا ومتلذذًا، ويجهل أن كون الألم واللذة صفتين زائدتين على الذات.
واستقصاء القول في ذلك يتعلق بأمر عظيم من الكلام.
والصحيح عندي الحكم بتكفير نافي الصفات، مع القول بالأحوال.
وقد أجاب عنه القاضي في الهداية.
وأما ما ذكره القاضي عند امتناعه من التكفير: فإن ذلك يفضي إلى تكفير كثير من أئمتنا!! وهذا من أعظم الغصص [1] ، فإن الله قد عصم أهل الحق عن اختلاف يفضي إلى التكفير والتبري، ومآل اختلافهم إلى عبارات لا يعظم موقعها في المعاني.
وخصص الله بالخلاف المتهافت من المعتزلة، فلم يستمر اثنان من رؤسائهم على مذهب، بل قطع كل منهم بتكفير صاحبه.
واطرد لأهل الحق الاتفاق إلا في مسألتين: إحداهما: أن القاضي يميل إلى أن الباقي باق لنفسه، مع قطع شيخنا بأن البقاء صفة للباري، ونفي البقاء بمثابة نفي العلم.
وكذلك أثبت ابن كلاب للقدم معنى، وصرفه شيخنا إلى صفات النفس.
فينبغي أن يقال: فأما القاضي فلم يقطع بقوله بنفي البقاء، بل ردد فيه كلامه، وهذا دأبه في الأصول، وقد أثبته في مواضع، والذي قاله ابن سعيد فسهل.
وأن نفي الصفة يفضي إلى نفي حكمها، وإثبات صفة لا يعظم خطرها، إذا لم تدل على الحدوث.
(1) في ط و ب: القصص.