وكتب إليه عبد الحق يسأله عن معنى تمثل جبريل - عليه السلام - للنبي صلى الله عليه وسلم في صورة دحية، ورآه مرة أو مرتين على خلقته في صورة هائلة، فتلك الأجزاء هل تفنى ثم تعاد؟ أم تصير بعض الأجزاء على صفة رجل وتبقى الأجزاء الأخرى فيرجع إليها الملك بعد ذلك؟ أم كونه رجلًا إنما هو تخييل فيما يرى النبي والملكُ على صورته؟ فما عنده في هذا، والسلام.
فكتب إليه:
حرس الله عزت قدرته وجلت عظمته، على المسلمين أنفاس الشيخ الجليل الأوحد، أدام الله تأييده، وأجزل كل خير مزيده.
وما تضمنه شريف خطابه من أسئلة السالمية، الصائرين إلى تجويز ثبوت الشيء على الصفة ونقيضها.
ولا وجه لتثبيت التخييل في حق الرسول، لا سيما أوقات تبليغ الوحي إليه ونقله إياه، بالأصول يطول تتبعها.
فلا يبقى بعد امتناع هذا المسلك إلا أحد الوجهين اللذين احتوى عليهما كلام الشيخ الأوحد - أدام الله تأييده -.
وقد صار إلى أحدهما طائفة، وإلى الأخرى آخرون.
والسديد عندي في ذلك والعلم عند الله: أن يزيل عن شخص جبريل عليه السلام ما هو به أعلم من أجزائه.
وهذا ما تشهد له الأخبار، إذ قد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( إن منكبي إسرافيل يملآن الخافقين، وإنه ليتضاءل من خشية الله حتى يعود كالوضع ) ).
وفي بعض الأخبار المسندة: (( إن جبريل كان عند النبي صلى الله عليه وسلم فانماع وانداب حتى عاد إلى حجم عدسة، فلما راجعه عليه السلام قال: إنه فتح باب من أبواب السماء لم يفتح قط، وإنه لحادث أمر ) )في قصة طويلة.