وكتب إليه أيضًا:
وصل خطاب الشيخ الجليل الأوحد - أدام الله رفعته، وعصم من نوائب الدهر مهجته، وتضاعف بمورده الأنس وركن إليه النفس -، وها أنا أخوض فيما رسم الخوض فيه، مستعينًا بالله متوكلًا عليه مفوضًا جميع أموري إليه.
اتفق أئمتنا على تضاد المثلين واستحالة اجتماعهما في المحل الواحد [1] ، وهو من أغمض أحكام التضاد وأبعدها غورًا وأصعبها مدركًا حجاجًا، وإن كان شائعًا ذائعًا، مذهبًا ونقلًا.
(1) هذه مسألة لطيفة ودقيقة، ولا بد لنا من أن نمهد لها مقدمة توضحها.
كل شيئين اثنين يقال عليهما إنهما متغايران، فالتغاير مشروط بالكثرة، والتحقيق عند علماء الأشاعرة أن كل شيئيئن إن استقل كل واحد منهما بالذات والحقيقة بحيث يمكن انفكاك أحدهما عن الآخر فهما غيران، وإن لم يمكن ذلك فهما صفة وموصوف أو كل وجزء، ولهذا قالوا الصفة مع الذات لا هو ولا غيره (راجع شرح الطوالع ص 65) .
والغيران إن اشتركا في تمام الماهية فهما المثلان، كزيد زعمرو، فإنهما اشتركا في تمام الماهية الذي هو الإنسان، وإلا فإن لم يشترك الغيران في تمام الماهية فهما مختلفان، ثم المختلفان متلاقيان إن اشتركا في موضوع كالسواد والحركة، فإنهما يعرضان الجسم، والجسم موضوع لهما، وهما محمولان على الجسم بالاشتقاق، إذ يقال الجسم متحرك، الجسم أسود.
والمختلفان متباينان إن لم يشتركا في الموضوع ثم المتباينان متقابلان ان امتنع اجتماعهما في موضوع واحد من جهة واحدة في زمان واحد، وقد اعتبر وحدة الموضوع والزمان ليندرج فيه تقابل التضاد فإنه لا يمتنننع اجتماع ضدين في موضوعين ولا في موضوع واحد، لكن في زمانين، واعتبر وحدة الجهة ليندرج فيه تقابل المتضايفين فإنه يمكن عروضهما لشخص واحد في زمان واحد، لكن من جهتين، لا من جهة واحدة كالأبوة والبنوة، فإنهما قد تعرضان لشخص واحد لكن من جهتين.
والتقابل أربعة أنواع تقابل الضدين وتقابل المتضايفين وتقابل العدم والملكة وتقابل السلب والإيجاب، وذلك لأن المتقابلين إما وجوديان أو أحدهما وجودي والآخر عدمي، فإن كان المتقابلان وجوديين وأمكن تعقل أحدهما مع الذهول عن الآخر، فهما ضدان كالسواد والبياض، والتقابل بينهما تقابل الضدين، وإن لم يمكن تعقل أحدهما مع الذهول عن الآخر فهما متضايفان، والتقابل بينهما تقابل المتضايفين كالأبوة والبنوة، وإن كان أحد المتقابلين وجوديا والآخر عدميا فإن اعتبر كون الموضوع مستعدا للاتصاف بالوجودي بحسب شخصه كالعمى والبصر بالنسبة إلى الشخص الإنساني أو بحسب نوعه كعدم اللحية عن المرأة، أو بحسب جنسه كعدم البصر بالنسبة إلى العقرب فعدم وملكة حقيقيان، وإن اعتبر كون الموضوع مستعدا للاتصاف بالأمر الوجودي في وقت يمكن اتصافه فهما عدم وملكة مشهوران كعدم اللحية عن إنسان في شيء من شأنه اللحية، وإن لم يعتبر كون الموضوع مستعدا للاتصاف بالأمر الوجودي لا بحسب شخصه ولا بحسب نوعه ولا بحسب جنسه ولا في وقت يمكن اتصافه به فسلب وإيجاب كقولك زيد بصير زيد ليس ببصير. (شرح الطوالع ص 65 - 67)