الصفحة 10 من 32

[حكم ذهول العوام عن دلالة المعجزات]

وسأله عن ذهول بعض العوام عن وجه الدلالة على صدق الأنبياء، هل يضرهم؟

فكتب:

أقول - وبالله التوفيق وهو ولي التسديد:

وجه دلالة المعجزة على صدق الأنبياء سهلُ المرام والمدرَك، وقلما يخلو عنه محصل من العوام، وإن تعذر عليه التعبير عنه.

وإني أومئ إلى وجه الدلالة ليتضح أنه لا يجهله إلا الأقلون من العوام.

فوجه الدلالة في الآيات الخارقة للعوائد الظاهرة، على موافقة دعوى الأنبياء: أن النبيّ إذا قال: لقد علمتم أن انقلاب العصا وفلق البحر وإحياء الموتى ليس من مقدور البشر، واستيقنتم أن منشئ هذه الآيات رب العالمين - إذ لا يستقيم التحدي في النبوة إلا مع من عرف الله بصفاته الواجبة والجائزة.

فإذا قال النبي: يا رب قد ادعيتُ أني رسولك، ولا يفلق البحر غيرك، فإن كنتُ صادقًا فافْلُقِ البحرَ: فإذا فلقه الله على وفق دعواه، فينزل ذلك منزلة قوله: صدقتَ في ادعاء النبوة والرسالة.

وأيُّ واحد لو مثُل بين يدي ملك، وخاطب أهل المجلس فقال: أنا رسول الملك إليكم، والملك يسمع ادعاء الرسالة ويقدر على تكذيبي، فإن كنتُ صادقًا أيها الملك فقم واقعد وخالف المعهود من عادتك في استقرارك على سريرك، فإذا قام الملك وقعد لم يَسْتَرِبْ عاقلٌ في أن ذلك منه محل قوله: صدقتَ.

وهذا الوجه في دليل المعجزات لو عرض على ذوي الأفهام من العوام صادفوه في ضمائرهم قبل بيان المبين وتعبير المعبر، ولم يخصصوا المقدر إلا بنظم الكلام وحسن العبارة عن المقصود [1] .

(1) كلام الإمام الجويني هذا عظيم المعاني، كبير الفوائد، ففيه تصريح كبير بأن العوام لا يلزمهم للخروج عن ربقة التكليف بأمور التوحيد، أن يستطيعوا الكلام بها، أو التعبير عنها بالألفاظ، بل مجرد علمهم الداخلي بها كافٍ في خروجهم عن التكليف، وهو ما يسير عليه سائر الأئمة المحققين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت