الصفحة 20 من 32

[الكلام في الكرامات]

وأما ما ذكره - أدام الله علوه - من تفصيل القاضي قوله في الكرامات، وتجويزه ازدياد الطعام كرامة لولي، مع منعه انقلاب الرحبة ذهبًا، فهو سديد.

وإغراق القول في المعجزات والكرامات والفصل بينهما مما يطول تتبعه، ولكني أذكر ما يوضح الحق في موضع الاعتراض، وأوثر مذهب القاضي:

فمن أصله: أنَّا وإن جوزنا انخراق العادات في الكرامات، فلسنا نجوز شيوعها وذيوعها وثبوتها في معرض يعم نقله ويفشو ذكره - حتى ينقل تواترًا، ويتفاوض الدهماء من أرباب الألباب فيه.

ولا يجوز أن تنقطع جبال الأرض في كرامة ولي، أو تغير مجاري الأقطار، أو تغور العيون المتفجرة بالمياه في الأمصار.

وكذلك لا نجوز أن يرقى ولي في عنان السماء بمرأى من جم غفير وعدد كثير، بحيث يرى محلقًا في الهواء، أما جهة السماء فليس يمتنع شيء من ذلك، إلا من يرجع إلى المقدور.

فإنا لو أردنا تقدير اختراع الأجسام أو الألوان وسائر الصفات التي يتميز بها الذهب عن غيره من الأجسام، لكان ذلك محالًا.

وتجويز الكرامات لا يفضي إلى قلب المستحيلات إلى قبيل الجائزات.

ومن المحال على مذهبنا أن يقع الشيء مقدورًا للمحدث مباينًا عن محل قدرته، فضلًا عن أن يكون اختراعًا.

والواقع في محل القدرة منقسم أيضًا: فمنه ما يصح كونه مقدورًا كالألوان والعلوم والإرادات والأقوال وغيرها.

ثم هذه الضروب لا تقع إلا مكتسبة، ولا يصح اختراعها بالقدرة الحادثة، ويستوي في ذلك الأنبياء والأولياء ومن عداهم.

وإذا انخرقت العادة بازدياد في الأجسام فهي من خلق الله تعالى، في المعجزات والكرامات.

وإنما أطنبت في ذلك ليتضح أن الامتناع لا يرجع إلى قضية القدر والمقدورات.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت