الصفحة 13 من 32

ولو امتحناه بما يتعاصى عنه فهمه، استيقنا بقيود مقاله وشواهد حاله، جهله.

فإن تصوِّر - على ندوره - شرذمة منغمسون في غمرات الغواية، متضمخون بأوصاف الجهالات، لم يحظوا من النشأة في الإسلام على مرور الأيام لما ذكرناه وشبهه، فهم فيه لا يدرأ عنهم ولا يناضل دونهم، ولا يكترث بهم.

وإنما محافظتنا عن الدفاع عن كثرة العوام وجماهيرهم، فإن شذّ أفراد - على ما تقدم - فلا يعبأ بهم، فسلبه سمة العارفين، والكلام على الأكثر والأعم [1] .

وقد قال القاضي - رحمه الله - في كلام طويل، على ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم: (( ستفترق أمتي .. ) )الحديث، فقال في سياق كلامه: من الفِرَق الضالة المقلدون الراكنون في التوحيد إلى دعة التقليد.

ووضوح ذلك يغني عن الإطناب والإسهاب في كشفه [2] .

ثم قال في آخر الرسالة:

هذا وليس يخفى على الشيخ الجليل الأوحد - أدام الله تأييده - أن العلم قد يقصر، فلا يبلغ كنه مقصد القائل، [فإن] رسم - أدام الله تأييده - أبدلت خطي بخطوي قلمي بقدمي، وتسرعت إليه، مستشرفًا بمجلسه، عادًا ذلك عدة في وجه دهري، وذخرًا أأتم به في أمري، فأكشفناه بواضح المقاصد، ويستخرج خبايًا المعنى إن شاء الله، والحمد لله رب العالمين.

(1) حاصل كلام الإمام الجويني هنا: أن العوام من الناس لا يجوز أن يحكم بكفرهم، لأننا نجزم بأن أغلبهم متحقق بجهة دلالة القرآن على الإعجاز الدالِّ على صدق النبي عليه السلام، وإن كان علمهم هذا على سبيل الإجمال، لإنَّ علمهم الإجمالي هذا يخرجهم عن ربقة التكليف. واستبعد الجويني أن يوجد واحد من المسلمين جاهلا هذا القدر من العلم، ولكنه قال أيضا، إننا لو جوزنا وجود مثل هؤلاء، فلا يهمنا يضرنا أن نسلب عنهم سمة العارفين بالله تعالى.

(2) الإمام الجويني يستدل بكلام الباقلاني على أن الركون إلى التقليد في أصول الدين هو ضلال لا ريب فيه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت