الصفحة 24 من 32

فقال القاضي: من صار على ذلك فقد جحد الضرورة وأنكرها، فعند ذلك ادعى القاضي الضرورة.

وأنا الآن أوضح وجه ذلك وتحقيقه - إن شاء الله تعالى - فنقول لمن يجوز ذلك في وقتنا ولا يستبعد وقوعه ولا يستبدع تحققه: إذا جوزتَ ما في كلامنا من استواء وجوه انخراق العادات، فيلزمك أن لا تستبعد أيضًا أن يخلق الله بشرًا سويًا على هيئة بني آدم وصفتهم، وخلقهم من غير أب ولا أم، ويتحقق ذلك كرامة لولي إذ هو من المقدورات، ولا فضل في انخراق العادات عندك!!

وإن تجاهل متجاهل وارتكب تجويز ذلك، قيل له: فينبغي أن لا نأمن من أن يكون بعضُ من يتلقاك في الطريق ممن لم تنطو عليه أصلاب الآباء، ولم تحتو عليه أرحام الأمهات، وإنما خلق بدءًا بدعوة ولي إكرامًا!!

وكذلك سبيل الإلزام في كل حيوان تراه وتلقاه، حتى إذا رأى طائرًا يحلِّق تارة ويسف منقضًا على من الجو، فنستريب في أنه طائر تفقعت عنه البيضة واحتضنته أمُّه أم هو طائر أنشأه الله كرامة لولي؟!

وكذلك إذا انتهى مجوِّز ذلك، وهو من الرواحين في الأمصار والأقطار، ورآها مشتملة على أمم لا يحصون ولا يحصرون، فينبغي أن يجوز حدوث هذه المرتبة بسكانها وقطّانها ودورها وقصورها وسورها، مبتدئًا في أرحام يقدر، وأسرع ما ينتظر، خرقًا للعادة في كرامة ولي!!

وكذلك من طرد قياسه ولم يرتدع عن مواقع الضرورات ولم تزعه البديهيات، فيلزمه أن يقول: إذا غاب النبي عني طرفة عين، فلا آمن أن وليًا دعا عليه فأعدمه الله، ثم أوجد مثله بدعوة ولي آخر!!

وهذا مركبٌ من الجهل لا يستوطنه محصل ولا يرتضيه محقق.

وكذلك ينبغي أن لا يصبح صاحب هذه المقالة ولا يمسي إلا وهو يجوِّز أن يغدو عليه صادق يخبره بأن جيحون وسيحون انقلبا ذهبًا أو دمًا عبيطًا!!

ومجوِّز ذلك ومرتضيه على أعلى مراتب الجهل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت