إذا قدرنا قيام علمين بالمحل الواحد، ثم زال أحدهما، فلا ينتفي عن المحل كونه عالمًا بانتفاء العلم أصلًا.
ومن حكم العلل العقلية: ثبوت معلولاتها بوجودها، وانتفاؤها عند انتفائها.
فإن فرض من لم يحصل الغرض في هذا الباب، الكلام في علمين يتعلق أحدهما بسواد، ويتعلق الثاني بسواد آخر، فهو غفلة منه، فإن العلم إذا تعلق بمعلومين فهما مختلفان وإن تماثل متعلقاهما، إذ يجوز ثبوت ضد أحد العلمين مع ثبوت العلم الثاني، بأن يجهل أحد السوادين ويعلم الثاني.
وكل عرضين جاز ثبوت ضد أحدهما مع ثبوت الثاني، فهما مختلفان، فاستمرت الدلالة وسلمت من القوادح.
وما تشبث به بعض الأئمة أن قال: لو جوزنا قيام عرضين متماثلين بالجوهر، لم نأمن قيام أعداد لا تحصى منها، ولو قلنا بذلك لثبتت أعراض من غير أن يتوصل إليها بالأدلة والعلوم الضرورية، [و] لو سوغنا ذلك لم نأمن قيام أجناس من الأعراض بالجواهر لم نعلمها أصلًا ولم نحط بها علمًا، وهي التي يصدر منها إحكام الفعل وإتقانه وتخصيصه ببعض الأوقات والصفات، دون الإرادات والقدر والعلوم.
وهذا تتوجه عليه أسئلة، ولكنها طريقة سليمة عند السبر والتقسيم والاعتبار والاختبار.
ومن أقوى ما يدُلُّ: أنه لو جاز صدور كون العالم عالمًا عن علمين مثلين، لجاز اختراع مقدور بقدرتين مؤثرتين في الاختراع، ولا يلزم على ذلك مقدور بين قدرتين إحداهما تؤثر في السبب، فإنهما مختلفان.
ونظير العلمين المتماثلين أن يتماثل تعلق القدرتين بالمقدور الواحد.
وهذه الأدلة تتعلق ببحور في التوحيد لا تنكر، ولولا توقي الإبرام ومجانبة الإطناب في الكلام، لجمعتُ أكثر من خمسين طريقًا للمقصد وتحقيقًا [1] .
(1) تأمل هذا الكلام الذي يدل فعلا على درجة العلم والتحقيق التي وصل إليها الإمام.