وعلى الدلالة أسئلة وطلبات، ووجوه التفصي واضحة عن جميعا، ولو تتبعتها طال الكلام وبَعُد المرام، وما يصح التعويل عليه أن نقول:
في تجويز قيام علمين متعاقبين بمعلوم واحد بالجوهر الواحد - إبطالُ العلل ونقضها ورفضها، وفي بطلان العلل: إلى التباس الحقائق وانقلاب الأجناس.
وإيضاح ذلك: أن العلم علة في كون العالم عالمًا، وكونه عالمًا معلوم، ومن حكم العلة أن توجب الحكم مهما وجدت، وينتفي الحكم على تقدير انتفائها.
وإذا قام بجوهر علمٌ واحد بالسواد، فقد وجب كون محله عالمًا بالسواد، فلو قام به علمٌ آخر بذلك السواد بعينه - لما كان العلم الثاني موجبًا حكمًا، إذ الحكم قد سبق وجوبه وتحققه بالعلم الأول، وما تحقق وجوبه بشيء لم يصح إضافة إيجابه واقتضاؤه إلى آخر.
والذي يقرر ذلك ويوضحه: أن ما حدث بالقدرة وبقي واستمر له الوجود، استحال كونه مقدورًا في حال بقائه، وحيث ثبت الوجود لتعلق القدرة أولًا، فلو تعلقت به القدرة في الثاني لما كانت مقتضية إثبات وجود، ولما ظهر أثر تعلقها [1] .
فوضح بذلك أن العلم الثاني لا يثبت حكمًا ويوجب معلولًا [2] .
فلو جاز أن لا يقتضي العلم الثاني حكمًا، لوجب ذلك في العلم الأول، لأنهما متماثلان، ومن حكم المثلين: وجوب استوائهما في جملة الصفات النفسية.
وإيجابُ العلمِ كونَ محلِّه عالمًا: من صفات نفس العلم، ليتوصل إلى إثبات الصفات القديمة.
ويقدر ذلك من وجه آخر، فيقال:
(1) قد يقال على هذا الدليل، أن بقاء الموجود أصلا يكون من أثر تعلق القدرة، ولا يبقى الموجود موجودا بذاته، وعليه يبقى محل أثر القدرة. أو يقال أيضا إن القدرة تتعلق بالشيء في الحال الأول فتوجده، وبعد ذلك تبقى متعلقة به تعلق إبقاء، فالبقاء هو أثر التعلق الثاني.
(2) إن لم يوجب العلم الثاني حكما لأن الحكم المفترض أثرا له حاصل أصلا بالعلم الأول، فلو جعلنا الحكم الأول نفسه أثرا للعلم الثاني لصار هذا تحصيلا للحاصل، وهو محال كما لا يخفى. فيلزم على ذلك أن يوجد العلم الثاني ولا يستلزم أثرا خاصل به.