فهرس الكتاب

الصفحة 85 من 845

أبو بنيامين، فلما بلغه قدوم عمرو بن العاص، كتب إلى القبط يعلمهم أنّه لا يكون للروم دولة، وأن ملكهم قد انقطع، ويأمرهم بتلقّي عمرو. فيقال إنّ القبط الذين كانوا بالفرما كانوا يومئذ لعمرو أعوانا. ثم توجّه عمرو؛ لا يدافع إلا بالأمر الخفيف، حتّى نزل القواصر (1) . فنزل ومن معه، فقال بعض القبط لبعض: ألا تعجبون من هؤلاء القوم، يقدمون على جموع الرّوم، وهم في قلّة من الناس! فأجابه رجل آخر منهم: إنّ هؤلاء القوم لا يتوجّهون إلى أحد إلا ظهروا عليه، حتّى يقتلوا أخيرهم. فتقدّم عمرو لا يدافع إلّا بالأمر الخفيف، حتّى أتى بلبيس، فقاتلوه بها نحوا من شهر، حتّى فتح الله عليه، ثم مضى لا يدافع إلا بالأمر الخفيف، حتّى أتى أمّ دنين (2) ، فقاتلوه بها قتالا شديدا.

وأبطأ عليه الفتح، فكتب إلى عمر يستمدّه، فأمدّه بأربعة آلاف، تمام ثمانية آلاف، فسار عمرو بمن معه حتى نزل على الحصن، فحاصرهم بالقصر الذي يقال له بابليون حينا، وقاتلهم قتالا شديدا؛ يصبّحهم ويمسّيهم. فلمّا أبطأ عليه الفتح، كتب إلى عمر بن الخطاب يستمدّه، فأمدّه عمر بأربعة آلاف رجل، على كلّ ألف رجل منهم رجل، وكتب إليه: إنّي قد أمددتك بأربعة آلاف رجل على كلّ ألف رجل منهم رجل مقام الألف: الزبير بن العوّام، والمقداد بن الأسود، وعبادة بن الصامت، ومسلمة بن مخلّد. واعلم أنّ معك اثني عشر ألفا، ولا يغلب اثنا عشر ألفا من قلّة.

وكانوا قد خندقوا حول حصنهم؛ وجعلوا للخندق أبوابا، وجعلوا سكك الحديد موتدة بأفنية الأبواب. فلمّا قدم المدد على عمرو بن العاص أتى إلى القصر، ووضع عليه المنجنيق ـ وكان على القصر رجل من الروم يقال له الأعيرج واليا عليه، وكان تحت يدي المقوقس ـ ودخل عمرو إلى صاحب الحصن، فتناظرا في شيء ممّا هم فيه، فقال: أخرج وأستشير أصحابي، وقد كان صاحب الحصن أوصى الّذي كان على الباب: إذا مرّ به عمرو أن يلقي عليه صخرة فيقتله، فمرّ عمرو وهو يريد الخروج برجل من العرب، فقال: قد دخلت فانظر كيف تخرج، فرجع عمرو إلى صاحب الحصن، فقال: إنّي أريد أن آتيك بنفر من أصحابي، حتّى يسمعوا منك مثل الذي سمعت، فقال العلج (3) في نفسه: قتل جماعة أحبّ إليّ من قتل واحد؛ فأرسل إلى الذي كان أمره

(1) في معجم البلدان: القواصر موضع بين الفرما والفسطاط نزله عمرو بن العاص في طريقه إلى مصر.

(2) أم دنين سبق ذكر موضعها.

(3) العلج: الرجل الضخم القوي من كفّار العجم، وبعضهم يطلقه على الكافر عموما.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت