فهرس الكتاب

الصفحة 43 من 845

أرميا: أقيموا بنا في أرضنا لنستغفر الله، ونتوب إليه، لعلّه أن يتوب علينا، فقالوا: إنّا نخاف أن يسمع بنا بخت نصّر، فيبعث إلينا، ونحن شرذمة قليلون؛ ولكنّا نذهب إلى ملك مصر فنستجير به، وندخل في ذمّته، فقال لهم أرميا: ذمّة الله أوفى الذّمم لكم، ولا يسعكم أمان أحد من أهل الأرض، إذا أخافكم. فسار أولئك النّفر من بني إسرائيل إلى قومس، واعتصموا به، فقال: أنتم في ذمّتي، فأرسل إليه بخت نصّر أنّ لي قبلك عبيدا أبقوا (1) منّي، فابعث بهم إليّ. فكتب إليه قومس: ما هم بعبيدك؛ هم أهل النبوّة والكتاب وأبناء الأحرار، اعتديت عليهم وظلمتهم؛ فحلف بخت نصّر: لئن لم تردّهم لأغزونّ بلادك. وأوحى الله إلى أرميا أنّي مظهر بخت نصّر على هذا الملك الذي اتّخذوه حرزا؛ ولو أنّهم أطاعوك وأطبقت عليهم السماء والأرض، لجعلت لهم من بينهما مخرجا. فرحمهم أرميا، وبادر إليهم، وقال لهم: إن لم تطيعوني أسركم بخت نصّر وقتلكم؛ وآية ذلك أنّي رأيت موضع سريره الذي يضعه بعد ما يظفر بمصر ويملكها. ثمّ عمد فدفن أربعة أحجار في الموضع الذي يضع فيه بخت نصّر سريره، وقال: يقع كلّ قائمة من قوائم سريره على حجر منها. فلجّوا في رأيهم، وسار بخت نصّر إلى قومس، فقاتله سنة، ثمّ ظفر به. فقتل وسبى جميع أهل مصر، وقتل من قتل.

فلمّا أراد قتل من أسر منهم، وضع له سريره في الموضع الذي وصف أرميا، ووقعت كلّ قائمة من قوائم سريره على حجر من تلك الحجارة التي دفن؛ فلمّا أتوا بالأسارى، أتى معهم بأرميا. فقال له بخت نصر: ألا أراك مع أعدائي بعد أن أمّنتك وأكرمتك؟ فقال له أرميا: إنّي أتيتهم محذّرا، وأخبرتهم خبرك، وقد وضعت لهم علامة تحت سريرك، وأريتهم موضعه، فقال له بخت نصّر: وما مصداق ذلك؟ قال أرميا: ارفع سريرك، فإنّ تحت كلّ قائمة منه حجرا دفنته، فلمّا رفع سريره، وجد مصداق ذلك، فقال لأرميا: لو أعلم أنّ فيهم خيرا لوهبتهم لك. فقتلهم وأخرب مدائن مصر وقراها، وسبى جميع أهلها، ولم يترك بها أحدا حتّى بقيت مصر أربعين سنة خرابا ليس فيها أحد؛ يجري نيلها، ويذهب لا ينتفع به. وأقام أرميا بمصر، واتخذ زرعا يعيش به. فأوحى الله إليه: إنّ لك عن الزرع والمقام شغلا، فالحق بإيلياء. فخرج أرميا حتّى أتى بيت المقدس. ثمّ إنّ بخت نصّر ردّ أهل مصر إليها بعد أربعين سنة، فعمروها، فلم تزل مصر مقهورة من حينئذ.

ثمّ ظهرت الرّوم وفارس على سائر الملوك الّذين في وسط الأرض، فقاتلت الروم

(1) أبق العبد: هرب من سيّده.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت