وأما المروي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مما يشير ظاهره إلى ذم الشعر مثل قوله:» لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحا يَرِيَهُ خير من أن يمتلئ شعرا « [1] . وقوله إذ عرض له شاعر ينشد:» خذوا الشيطان. أو: أمسكوا الشيطان «. [2] ونحوهما.
فهذا لا يخرج في حكمه عما اقتضته الآية وقصدته، وقد تأوله العلماء على أنه قال ذلك مع هذا الشاعر الذي أمر بأخذه لما علم من حاله، فلعله كان ممن قد عرف من حاله أنه قد أتخذ الشعر طريقا إلى التكسب، فيهجو من يمسك عنه، ويفرط في مدح من يعطيه.
ويمكن أن يراد بذمه - صلى الله عليه وسلم - للشعر فيما سبق، هو الشعر الذي يهجا به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والمسلمون، والشعراء الذين جعلوا هذا الهجاء غرضا لهم. [3]
وقد يكون الأوجه في تأويله ما أشار إليه الإمام البخاري في صحيحه إذ بوب على هذه الحديث: (باب ما يكره أن يكون الغالب على الإنسان الشعر) ، [4] فهو الرجل الذي غلب على قلبه الشعر فامتلأ به دون شيء من الذكر، فأخذ يخوض به مع الخائضين في اللهو والمنكر. [5]
(1) أخرجه البخاري ومسلم: صحيح البخاري: كتاب الآداب: 4/ 74 وصحيح مسلم: كتاب الشعر: 5/ 1769 وسنن أبي داود: 4/ 304 وتحفة الأحوذي: 8/ 140.
(2) أخرجه مسلم: 5/ 1769 وتكملته بنحو الحديث السابق.
(3) إيضاح الوقف: 1/ 102 - 103 وتفسير القرطبي:13/ 153.
(4) صحيح البخاري:4/ 74 وتكملته (حتى يصده عن ذكر الله والعلم والقرآن) .
(5) إيضاح الوقف:1/ 102 - 103 ونقل هذا التوجيه عن أبي عبيد، وتفسير القرطبي:13/ 153 وينظر: سنن أبي داود:4/ 304.