المراد به الاقتصار على النقل، أو المراد به أمر آخر، وباطل قطعا أن يكون المراد به أن لا يتكلم أحد في القرآن إلا بما يسمعه لوجوه، أحدها: أنه يشترط أن يكون ذلك مسموعا من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومسند إليه، وذلك لا يصادف إلا في بعض القرآن، أما ما يقوله ابن عباس وابن مسعود من أنفسهم فهو تفسير بالرأي، لأنهم لم يسمعوه منه - صلى الله عليه وسلم -، والثاني: أن الصحابة والمفسرين اختلفوا في تفسير بعض الآيات، فقالوا فيها أقاويل مختلفة لا يمكن الجمع بينها، وسماع جميعها محال، فثبت أن كل مفسر قال في المعنى بما ظهر له. وأما النهي فإنه ينزل على أحد وجهين:
أحدهما: أن يكون له في الشيء رأي، وإليه ميل من طبعه وهواه، فيتأوله على وفق رأيه وهواه ليحتج به على تصحيح غرضه، ولولا ذلك الهوى لما لاح له من القرآن ذلك المعنى، وهذا يجري على وجوه:
فتارة يكون مع العلم، تصحيحا لبدعته وتلبيسا على خصمه. وتارة يكون مع الجهل، ولكن إذا كانت الآية محتملة يميل فهمه إلى الوجه الذي يوافق غرضه، فيكون رأيه هو الذي حمله على ذلك التفسير، ولولاه لم يترجح له ذلك الوجه. وتارة يكون له غرض صحيح فيطلب له دليلا من القرآن، ويستدل عليه مما يعلم أنه ما أريد به، كالذي يدعو إلى مجاهدة القلب القاسي فيقول: {اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى} طه: 24 والنازعات:17، ويشير إلى قلبه، ويومئ إلى أنه المراد بفرعون، وهذا ما يستعمله بعض الوعاظ في المقاصد الحسنة، وهو ممنوع، وتستعمله الباطنية في المقاصد السيئة لتغرير الناس.