الفصل الثاني
طريق العلم الفطري أرسخ وأكمل من الطرق النظرية القياسية
أو الإرادية الذوقية
كل العلوم لا بد للسالك فيها ابتداء من مصادرات يأخذها مسلمة -عن نفسه أو عن غيره- إلى أن تتبرهن فيما بعد، أو تكون هي بنفسها من باب"العلم الضروري"الذي يلزم نفس العبد لزومًا لا يمكنه الإنفكاك عنه، بحيث تبني عليه كل العلوم البرهانية الأخرى، ولا يحتاج هو بذاته إلى برهان بل يكون من جنس العلم الإضطراري الذي يضطر إليه القلب اضطرارًا.
وكل علم أو نظر أو قياس فلا بد أن يرد إلى هذه الضروريات أو الأوليات أو البديهات وإلا لزم الدور أو التسلسل.
والنفس البشرية مفطورة على العلم بالله عز وجل، فهو لها أول الأوليات وأصل المصادرات وأثبت المسلمات وأعمق البديهيات وأرسخ الضروريات، وهو أصل كل الأصول، ودليل كل الأدلة، وبرهان كل البراهين.
فالله سبحانه وتعالى يقول في أول ما أنزل من القرآن: (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ) [العلق: 1] ، ويقول تعالى: (اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ) [العلق: 3] . فذكر سبحانه وتعالى في الموضعين بالإضافة (ربك) ، التي توجب التعريف وأنه معروف عند المخاطبين؛ إذ الرب تعالى معروف عند العبد قبل الاستدلال بكونه خلق.
-فالمخلوق؛ مع إنه دليل وإنه يدل على الخالق، لكنه سبحانه وتعالى هو معروف في الفطرة قبل هذا الاستدلال؛ فمعرفته فطرية، مغروزة في الفطرة، ضرورية بديهية، أولية.
-والإنسان بدون هذا العلم الفطري لا يمكنه أن ينال معرفة الله ولا الهداية إليه، بل ولا يحقق الثقة والطمأنينة واليقين في أي علم آخر.
ولكنه إذا أخذ العلم مسلمًا، ثم بنى عليه، ونظر في موجبه، وعمل بمقتضاه، كان معه دليل وبرهان، وجعل له -بأدنى سعي- مطلوبه من معرفة الله [1] - بالتعرف على رسله- بأدنى النظر فيما جاءوا به، وفي أحوالهم وآياتهم- وباليقين بأن الطريق التي سلكها صحيحة.
(1) المعرفة التفصيلية التي جاء بها الرسل لتكميل الفطرة.