والنصوص الدالة على أن الله لا يعذب إلا بعد الرسالة كثيرة، ترد على من قال من أهل التحسين والتقبيح: إن الخلق يعذبون في الأرض بدون رسول أرسل إليهم.
وأما (الطرف الآخر) فالأشعرية؛ الذين ادعوا أن جميع الشريعة من قسم الامتحان؛ وأن الأفعال ليست لها صفة لا قبل الشرع ولا بالشرع.
بل الأفعال عندهم لم تشتمل على صفات هي أحكام، ولا على صفات هي علل للأحكام؛ بل القادر أمر بأحد المتماثلين دون الآخر؛ لمحض الإرادة؛ لا لحكمة؛ ولا لرعاية مصلحة في الخلق والأمر.
ويقولون إنه يجوز أن يأمر الله بالشرك بالله؛ وينهى عن عبادته وحده ويجوز أن يأمر بالظلم والفواحش، وينهى عن البر والتقوى!
والأحكام التي توصف بها الأحكام هي عندهم مجرد نسبة وإضافة فقط؛ وليس المعروف في نفسه معروفًا عندهم؛ ولا المنكر في نفسه منكرًا عندهم. وذلك لا يقتضي عندهم كون الرب يحب المعروف ويبغض المنكر.
وهذا القول ولوازمه مخالف للكتاب والسنة ولإجماع السلف والفقهاء، مع مخالفته أيضًا للمعقول الصريح [1] .
الفصل الثامن
النقل والعقل يردان على منكري التحسين والتقبيح العقلي لأنه
يهدمون بذلك كل ثوابت الشرع والعقل
على قول نفاة التحسين والتقبيح لا يوجد في نفس الأمر لا منكر ولا معروف ولا طيب ولا خبيث، ولا فرق في التسوية بين المسلمين والمجرمين؛ وبين الذين آمنوا وعملوا الصالحات والمفسدين في الأرض، وبين المتقين والفجار.
وعندهم تعلق الإرسال بالرسول كتعلق الخطاب بالأفعال، لا يستلزم ثبوت صفة لا قبل التعلق ولا بعده. وكل هذا خلاف المنصوص والمعقول.
(1) الفتاوى جـ8 ص431 - جـ16 ص251 - جـ17 ص308.