فهؤلاء إذا قدر أنه جرى على يد أحدهم ما هو من جنس ما جرى للأنبياء؛ فهذه الأمور هي مؤكدة لآيات الأنبياء؛ وهي من معجزاتهم بمنزلة ما تقدمهم من الإرهاص. فآيات النبوة أنواع متعددة: منها ما يكون قبل وجوده، ومنها ما يكون بعد موته، ومنها ما يكون في غيبته.
ومع هذا؛ فالأولياء دون الأنبياء والمرسلين؛ فلا تبلغ كرامات أحد قط إلى مثل معجزات المرسلين، كما أنهم لا يبلغون في الفضيلة والثواب إلى درجاتهم؛ ولكن قد يشاركونهم في بعضها، كما قد يشاركونهم في بعض أعمالهم. وكرامات الصلحين تدل على صحة الدين الذي جاء به الرسول، لا تدل على أن الولي معصوم، ولا على أنه يجب طاعته في كل ما يقوله [1] .
الفصل الخامس
الفروق بين آيات الأنبياء وبين السحر والكهنة ونحوها
(الفرق الأول) : أن ما تخبر به الأنبياء لا يكون إلا صدقًا. والأنبياء لا تأمر إلا بالعدل؛ ولا تفعل إلا العدل.
فالنبي قد خلت من قبله أنبياء يعتبر بهم، فلا يأمر إلا بما أمرت به الأنبياء من عبادة الله وحده، والعمل بطاعته، والتصديق باليوم الآخر، والإيمان بجميع الكتب والرسل، فلا يمكن خروجه عما اتفقت عليه الأنبياء.
فالأنبياء لا يخبرون إلا بحق، ولا يأمرون إلا بعدل، فيأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ويأمرون بمصالح العباد في المعاش والمعاد. لا يأمرون بالفواحش ولا الظلم ولا الشرك ولا القول بغير علم.
فالأنبياء بعثوا بتكميل الفطرة وتقريرها، لا بتبديلها وتغييرها؛ فلا يأمرون إلا بما يوافق المعروف في العقول الذي تتلقاه القلوب السليمة بالقبول.
(1) الفتاوى جـ4، ص186، 210 - النبوات ص8، 40، 153، 160، 171، 207، 261، 282، 292.