وكذلك إذا علم الإنسان أن هذا الدينار مثل هذا؛ وهذا الدرهم مثل هذا؛ وأن هذه الحنطة والشعير مثل هذه؛ ثم علم شيئًا من صفات أحدهما وأحكامها الطبيعية: مثل الاغتذاء والانتفاع؛ أو العادية: مثل القيمة والسعر، أو الشرعية مثل الحل والحرمة -علم أن حكم الآخر مثله.
فهذه الأقيسة التمثيلية تفيد اليقين بلا ريب، فإن الناس بمجرد علمهم بالتماثل يبادرون إلى التسوية في الحكم؛ لأن نفس العلم بالتماثل يوجب ذلك بالبديهة العقلية.
فكما علم بالبديهة العقلية أن الواحد نصف الاثنين؛ علم بها أن حكم الشيء حكم مثله، وأن الواحد مثل الواحد، كما علم أن الأشياء المساوية لشيء واحد متساوية.
فالعلم بأن المثلين سواء؛ وأن الأكثر والأكبر أعظم وأرجح، يعلم ببديهة العقل؛ والعلم بالتماثل والاختلاف -في الصفة أو القدر- في الأعيان يعلم بالحس [1] .
الفصل الخامس
الشرع يعتمد على البديهيات العقلية وعلى الحواس
معًا ليبني عليها منهجه في الاستدلال بضرب الأمثلة
أو الأقيسة العقلية التمثيلية
من البديهيات المعلومة بضرورة العقل أن المحدَث لا بد له من محدِث؛ وأنه من الممتنع -بضرورة العقل أيضًا- تسلسل المحدَثات إلى غير نهاية- وهو ما يسمى بتسلسل المؤثرات والعلل والفاعلية- بل هذا ممتنع باتفاق العقلاء؛ بديهي ضروري في العقول.
بل لا بد في الوجود من موجود واجب بنفسه قديم أزلي محدِث للحوادث، فإن هذا معلوم بالفطرة، والضرورة، والبراهين اليقينية؛ فالإقرار بالصانع فطري ضروري؛ مع كثرة دلائله وبراهينه.
(1) الفتاوى جـ3 ص295 - جـ9 ص19، 70، 223.