فهرس الكتاب

الصفحة 29 من 80

إذ من المعلوم بالمشاهدة، والعقل؛ وجود موجودات. ومن المعلوم أيضًا أن منها ما هو حادث بعد أن لم يكن، كما نعلم نحن أننا حادثون بعد عدمنا؛ وأن السحاب حادث، والمطر، والنبات حادث، والدواب حادثة، وأمثال ذلك من الآيات التي نبه الله تعالى عليها بقوله: (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن مَّاء فَأَحْيَا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخِّرِ بَيْنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) [البقرة: 164] .

فهذه الحوادث المشهودة يمتنع وجودها بنفسها، لأنها كانت معدومة ثم وجدت؛ فدل وجودها بعد عدمها على أنها يمكن وجودها ويمكن عدمها -فإن كليهما قد تحقق فيها- فعلم بالضرورة اشتمال الوجود على موجود محدّث ممكن.

والموجود المحدَث الممكن لا بد له من موجد قدير محدِث واجب بنفسه، فإنه يمتنع وجود المحدَث بنفسه؛ كما يمتنع أن يخلق الإنسان نفسه. وهذا من أظهر المعارف الضرورية.

ولهذا قال تعالى: (أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ) [الطور: 35] ؟! وفي الصحيحين عن جبير بن مطعم أنه لما قدم في فداء أسارى بدر، قال: وجدت النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في المغرب"بالطور". قال: فلما سمعت هذه الآية: (أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ) ؟! أحسست بفؤادي قد انصدع.

وذلك أن هذا تقسيم حاصر، ذكره الله تعالى بصيغة استفهام الإنكار ليبين أن هذه المقدمات معلومة بالضرورة لا يمكن جحدها.

يقول: (أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ) ؟! أي من غير خالق خلقهم؟!

(أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ) أي أم هم خلقوا أنفسهم؟! وهم يعلمون أن كلا النقيضين باطل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت