بل العقل شرط في معرفة العلوم، وكمال وصلاح الأعمال؛ وبه يكمل العلم والعمل؛ لكنه ليس مستقلًا بذلك.
ولذلك كان العقل الناظر في المسألة محتاجًا إلى شيئين: إلى أن يظفر بالدليل الهادي؛ وإلى أن يهتدي به وينتفع.
والدليل الهادي على العموم والإطلاق هو كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم والاهتداء والانتفاع بالدليل لا يتحقق إلا بتوفيق الله سبحانه وتعالى.
فقد ينظر المرء في دليل مضل -وهو يعتقد صحته- فيصير في قلبه بذلك اعتقاد فاسد؛ وهو غالب شبهات أهل الباطل المخالفين للكتاب والسنة من المتفلسفة والمتكلمين ونحوهم.
وقد ينظر في الدليل الهادي؛ ولكنه قد لا يفهمه؛ أو يحرف الكلم عن مواضعه فيضل به كذلك.
ولذلك فقد أمر الشارع المرء بما يوجب أن ينزل على قلبه الأسباب الهادية ويصرف عنه الأسباب المعوقة. وهو ذكر الله تعالى.
فالله سبحانه وتعالى هو رب كل شيء ومليكه، وهو معلم كل علم وواهبه؛ فكما أن نفسه أصل لكل شيء موجود؛ فذكره والعلم به أصل لكل علم وإيمان.
وحقيقة الأمر: أن العبد مفتقر إلى من يسأله العلم والهدى -طالب سائل- فبذكر الله والافتقار إليه يهديه الله ويدله.
كما قال سبحانه وتعالى:"يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته، فاستهدوني أهدكم". وكما كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول:"اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السموات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون. اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم" [1] .
الفصل الثالث
الشرع جاء للناس بالأدلة والأقيسة العقلية الصحيحة التي يحتاجون إليها لمعرفة المطالب الإلهية ومسائل أصول الدين
أصول الدين إما أن تكون مسائل يجب اعتقادها قولًا، أو قولًا وعملًا؛ كمسائل التوحيد، والصفات، والقدر، والنبوة، والمعاد. أو دلائل هذه المسائل.
(1) الفتاوى جـ3 ص338 - جـ2 ص34.