فهرس الكتاب

الصفحة 30 من 80

فإذا لم يكونوا خلقوا من غير خالق؛ ولا هم الخالقون لأنفسهم تعين أن لهم خالقًا خلقهم سبحانه وتعالى.

فمن المعلوم بالضرورة إذن أن الحادث بعد عدمه لا بد له من محدِث. وهذه قضية ضرورية معلومة بالفطرة حتى للصبيان.

فإن الصبي لو ضربه ضارب وهو غافل لا يبصره، لقال: من ضربني؟ فلو قيل له: لم يضربك أحد. لم يقبل عقله أن تكون الضربة حدثت من غير محدِث، بل يعلم أنه لا بد للحادث من محدِث. فإذا قيل: فلان ضربك. بكى حتى يضرب ضاربه. فكان في فطرته: الإقرار بالصانع؛ وبالشرع الذي مبناه على العدل.

ومن البديهيات كذلك: امتناع رفع النقيضين وامتناع اجتماعهما؛ فإن النقيضين لا يمكن رفعهما؛ بل في نفس الأمر لا بد أن يكون الشيء -أي شيء كان- إما موجودًا وإما معدومًا- إما أن يكون وإما أن لا يكون؛ وليس بين النفي والإثبات واسطة أصلًا.

ومن البديهيات أيضًا افتقار المعلول إلى العلة والمسبّب إلى سبب. وجماهير المسلمين يقرون بالأسباب التي جعلها الله أسبابًا في خلقه وأمره؛ ويقرون بحكمة الله التي يريدها في خلقه وأمره؛ ويقولون كما قال الله في القرآن حيث قال سبحانه: (وَمَا أَنزَلَ اللّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن مَّاء فَأَحْيَا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا) [البقرة: 164] . وقال: (فَأَنزَلْنَا بِهِ الْمَاء فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ) [الأعراف: 57] . ومثل هذا كثير من الكتاب والسنة.

وجمهور المسلمين على ذلك؛ يقولون: إن هذا فُعِل بهذا، لا يقولون كما يقول نفاة الأسباب: فُعِل عندها لا بها!

إذ هناك من الناس من ينكر القوى والطبائع. وهؤلاء المنكرون للقوى والطبائع ينكرون الأسباب؛ ويقولون: إن الله يفعل عندها لا بها. فيقولون إن الله لا يُشبع بالخبز، ولا يروي بالماء، ولا يُنبت الزرع بالماء؛ بل يفعل عنده لا به!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت