وهؤلاء خالفوا الكتاب والسنة وإجماع السلف، مع مخالفة صريح العقل والحس. فإن الله تعالى قال في كتابه: (وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَّيِّتٍ فَأَنزَلْنَا بِهِ الْمَاء فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْموْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) [الأعراف: 57] .
فأخبر سبحانه أنه ينزل الماء بالسحاب، ويخرج الثمر بالماء. ومثل هذا في القرآن كثير.
والناس يعلمون بحسهم وعقلهم أن بعض الأشياء سبب لبعض؛ كما يعلمون أن الشبع يحصل بالأكل لا بالعد؛ ويحصل بأكل الطعام لا بأكل الحصى، وأن الماء سبب لحياة النبات والحيوان، كما قال تعالى: (وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ) [الأنبياء: 30] وأن الحيوان يروى بشرب الماء لا بالمشي. ومثل هذا كثير.
فالذي يدل عليه المعقول الصريح؛ ويقرّ به عامة العقلاء؛ ودل عليه الكتاب والسنة وأقوال السلف والأئمة: أن المؤثر التام يستلزم وقوع أثره عقب تأثره التام؛ لا يقترن به ولا يتراخى عنه.
كما إذا طلقت المرأة فطلقت؛ وأعتق العبد فعتق، وكسرت الإناء فانكسر، وقطعت الحبل فانقطع. فوقوع الطلاق والعتق ليس مقارنًا لنفس التطليق والإعتاق بحيث يكون معه؛ ولا هو أيضًا متراخ عنه. بل يكون عقبه متصلًا به.
وكما اعتمد الشرع على بديهيات العقل؛ فإنه اعتمد كذلك على الوجود الخارجي المحسوس لضرب الأمثال التي يستدل بها على حقائق الشرع؛ إذ كان الحس هو طريق العقل للوصول إلى الأحكام العملية اليقينة.