إذ ليس كل ما يفرضه الذهن -وهو ما يسمى الإمكان الذهني- يمكن وجوده في الخارج؛ بل قد يعرض الشيء على الذهن فلا يعلم امتناعه ويقول: هذا ممكن. ولكنه لا يعلم إمكان وجوده فعلًا في الخارج -وهو ما يسمى الإمكان الخارجي- إلا إذا علم وجوده، أو وجود نظيره، أو وجود ما هو أبعد عن الوجود منه. فإذا كان الأبعد عن قبول الوجود موجودًا، ممكن الوجود، فالأقرب إلى الوجود منه أولى.
وهذه طريقة القرآن في بيان"إمكان المعاد"، فقد بيّن ذلك بهذه الطريقة. فإنه سبحانه لما أخبر بالمعاد؛ والعلم به تابع للعلم بإمكانه -إذ إن الممتنع لا يجوز أن يكون- بيّن سبحانه إمكانه أتم بيان.
ثم إنه إذا بيّن كون الشيء ممكنًا؛ فلا بد من بيان قدرة الرب عليه؛ وإلا فمجرد العلم بإمكانه لا يكفي في إمكان وقوعه إن لم تعلم قدرة الرب على ذلك.
فتارة يخبر سبحانه عمن أماتهم ثم أحياهم؛ كما أخبر عن قوم موسى الذين قالوا: (أَرِنَا اللّهِ جَهْرَةً) [النساء: 153] . قال: (فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ، ثُمَّ بَعَثْنَاكُم مِّن بَعْدِ مَوْتِكُمْ) [البقرة: 55] . وعن (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللّهُ مُوتُواْ ثُمَّ أَحْيَاهُمْ) [البقرة: 243] . وعن (كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ) [البقرة: 259] . (فَأَمَاتَهُ اللّهُ مِئَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ) [البقرة: 259] . وعن إبراهيم إذ قال: (رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى) [البقرة 260] القصة. وكما أخبر عن المسيح أنه كان يحيي الموتى بإذن الله. وعن أصحاب الكهف أنهم بُعثوا بعد ثلاثمائة سنة وتسع سنين.