وتارة يستدل على ذلك بالنشأة الأولى؛ فإن الإعادة أهون من الابتداء؛ فبين سبحانه إمكان المعاد ببيان إمكان ما هو أبعد من ذلك وقدرته عليه. كقوله تعالى: (وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ) [الروم: 27] ؛ ولهذا قال بعد ذلك: (وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) [الروم: 27] ، وقال: (إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن تُرَابٍ) [الحج: 5] . وقال: (قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ) [الإسراء: 51] . وكذلك ما ذكره في قوله: (وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ، قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ) [يس: 78، 79] .
وتارة يستدل على ذلك بخلق السموات والأرض؛ فإن خلقها أعظم من إعادة الإنسان. كما قال تعالى: (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) [الأحقاف: 33] . وقال: (لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ) [غافر: 57] ، فإنه من المعلوم ببداهة العقول أن خلق السموات والأرض أعظم من خلق أمثال بني آدم، والقدرة عليه أبلغ؛ وأن هذا الأيسر أولى بالإمكان والقدرة من ذلك. وذلك كقوله: (أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُم) [يس: 81] ؛ وهذه مقدمة معلومة بالبديهة؛ ولهذا جاء فيه باستفهام التقرير الدال على أن ذلك مستقر معلوم عند المخاطب.