وصاحب العلم في حقيقة الأمر هو القلب؛ فالقلب يعقل الأشياء بنفسه، إذ كان العلم هو غذاؤه وخاصيته؛ وإنما سائر الأعضاء حجبة له توصل من الأخبار ما لم يكن ليأخذه بنفسه.
فالأذن مثلًا تحمل الكلام المشتمل على العلم إلى القلب، فهي بنفسها إنما تحمل القول والكلام، فإذا وصل ذلك إلى القلب أخذ منه ما فيه من العلم.
حتى إن من فقد شيئًا من هذه الأعضاء، فإنه يفقد بفقده من العلم ما كان هو الواسطة فيه.
فمدار الأمر في تحصيل الإدراك الكامل والعلوم على القلب.
وأول علوم القلب هي البديهيات، وهي العلوم الأولية التي يجعلها الله في النفوس ابتداء بلا واسطة، مثل الحساب: وهي كالعلم بأن الواحد نصف الإثنين؛ وكالعلم بأن الأشياء المساوية لشيء واحد هي متساوية في أنفسها.
وأما العقل بمعنى: عقل الأمور العامة التي أفرادها موجودة في الخارج؛ فهذا لا يحصل بغير حس؛ إذ هذا لا يتصور؛ لأنك إذا حكمت على موجود في الخارج لم يكن ذلك إلا بواسطة الحس.
فإذا اجتمع الحس والعقل -كاجتماع البصر والعقل مثلًا- أمكن للشخص من جهة أن يدرك الحقائق الموجودة المعينة؛ وأمكن له من جهة أخرى أن يعقل حكمها العام الذي يندرج فيه أمثالها لا أضدادها؛ ويعلم الجمع والفرق -أي الجمع بين المتشابهات والفرق بين المختلفات- وهذا هو"اعتبار العقل وقياسه".
فمثلًا المعدودات لا تدرك إلا بالحس. والعدد المجرد يعقل بالقلب. وبعقل القلب والحس يعلم العدد والمعدود جميعًا فبمجموعهما يتم البرهان.
كما يعلم بالحس أن مع هذا ألف درهم، ومع هذا ألفان؛ ويعلم بالعقل أن الإثنين أكثر من الواحد، فيعلم أن مال هذا أكثر.
وكما تعلم بالحس أن هذا مثل هذا، وتعلم أن هذا من نعته كيت وكيت، فتعلم أن الآخر مثله؛ وتعلم أن حكم الشيء حكم مثله.
وكما تعلم أن زيدًا أكبر من عمرو، وعمرو أكبر من خالد فتعلم أن زيدًا أكبر من خالد.