فإن الله نزه نفسه عن الفحشاء، فقال: (إِنَّ اللّهَ لاَ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاء) [الأعراف: 28] . كما نزه نفسه عن التسوية بين الخير والشر؛ فقال تعالى: (أًمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أّن نَّجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاء مَّحْيَاهُم وَمَمَاتُهُمْ سَاء مَا يَحْكُمُونَ) [الجاثية: 21] . وقال: (أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ، مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ) [القلم: 35، 36] . وقال: (أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ) [ص: 28] .
ولذلك فإن الفقهاء وجمهور المسلمين يقولون: إن الله حرم المحرمات فحرمت؛ وأوجب الواجبات فوجبت. فمعنا شيئان: (الأول) إيجاب وتحريم وذلك كلام الله وخطابه. (والثاني) وجوب وحرمة؛ وذلك صفة الفعل.
والله تعالى عليم حكيم؛ علم بما تتضمنه الأحكام من المصالح، فأمر ونهى لعلمه بما في الأمر والنهي والمأمور والمحظور من مصالح العباد ومفاسدهم وهو أثبت حكم الفعل وأما صفته فقد تكون ثابتة بدون الخطاب.
وإلا فأي معنى لقوله: (يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ) [الأعراف: 157] ؟ وهل حاصل ذلك [1] زائد على أن يقال: يأمرهم بما يأمرهم به وينهاهم عما ينهاهم عنه؟ وهذا كلام ينزه عنه آحاد العقلاء، فضلًا عن كلام رب العالمين.
فالآية دلت على أن أمرهم بالمعروف الذي تعرفه العقول وتقر بحسنه الفطر؛ فأمرهم بما هو معروف في نفسه عند كل عقل سليم، ونهاه عما هو منكر في الطباع والعقول.
كما قال بعض الأعراب وقد سئل: بم عرفت أنه رسول الله؟ فقال: ما أمر بشيء فقال العقل ليته ينهى عنه؛ ولا نهى عن شيء فقال ليته أمر به.
(1) أي على قول نفاة التحسين والتقبيح.