فهرس الكتاب

الصفحة 42 من 80

فقد أقر عقله وفطرته بحسن ما أمر به وقبح ما نهى عنه؛ حتى كان في حقه من أعلام نبوته وشواهد رسالته. فاستدل على صحة نبوته بنفس دعوته ودينه. ومعلوم أن نفس الدين الذي جاء به والملة التي دعا إليها من أعظم براهين صدقه وشواهد نبوته.

ومن هذا أحد أعلام نبوته التي احتج الله بها على أهل الكتاب في قوله تعالى: (وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ) [الأعراف: 157] ؛ فهذا صريح في أن الحلال كان طيبًا قبل حله، وأن الخبيث كان خبيثًا قبل تحريمه.

ومن ذلك قوله تعالى: (وَلَوْلَا أَن تُصِيبَهُم مُّصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) [القصص: 47] ؛ فأخبر تعالى أن ما قدمت أيديهم قبل البعثة سبب لإصابتهم بالمصيبة، وأنه سبحانه لو أصابهم بما يستحقون من ذلك لاحتجوا عليه بأنه لم يرسل إليهم رسولًا ولم ينزل عليهم كتابًا، فقطع هذه الحجة بإرسال الرسول وإنزال الكتاب، لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل.

وهذا صريح في أن أعمالهم قبل البعثة كانت قبيحة، بحيث استحقوا أن يصيبوا بها المصيبة؛ ولكنها سبحانه لا يعذب إلا بعد إرسال الرسل.

وهذا هو فصل الخطاب، وتحقيق القول في هذا الأصل العظيم: أن القبح ثابت للفعل في نفسه، وأنه لا يعذب الله عليه إلا بعد إقامة الحجة الرسالية.

ومن هذا قوله تعالى: (لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ) [الأنبياء: 22] ، أي لو كان في السموات والأرض آلهة تعبد غير الله لفسدتا وبطلتا. ولم يقل أرباب؛ بل قال آلهة، والإله هو المعبود المألوه، وهذا يدل على أنه من الممتنع المستحيل عقلًا أن يشرع الله عبادة غيره أبدًا، وأنه لو كان معه معبود سواه لفسدت السموات والأرض.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت