فقبح عبادة غيره قد استقر في الفطر والعقول؛ وإن لم يرد النبي عنه شرع؛ بل العقل يدل على أنه أقبح القبيح على الإطلاق، وأنه من المحال أن يشرعه الله قط.
فصلاح العالم في أن يكون الله وحده هو المعبود، وفساده وهلاكه في أن يعبد معه غيره. ومحال أن يشرع لعباده ما فيه فساد العالم وهلاكه؛ بل هو المنزه عن ذلك.
والأدلة في القرآن أكثر من أن تذكر هنا، وطريقة القرآن صريحة في أنه سبحانه يحتج على فساد مذهب من عبد غيره بالأدلة العقلية التي تقبلها الفطر والعقول؛ ويجعل ما ركبه في العقول من حسن عبادة الخالق وحده، وقبح عبادة غيره، من أعظم الأدلة على ذلك.
ولولا أنه مستقر في العقول والفطر حسن عبادته وشكره، وقبح عبادة غيره، وترك شركه، لما احتج عليهم بذلك أصلًا.
وكذلك الرسالة والمعاد. قال تعالى: (أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى) [القيامة: 136] أي مهملًا لا يؤمر لا ينهى، ولا يثاب ولا يعاقب. فأنكر سبحانه على من زعم أنه يترك سدى إنكار من جعل في العقل استقباح ذلك واستهجانه، وأنه لا يليق أن ينسب ذلك إلى أحكم الحاكمين.
ومثله قوله تعالى: (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ، فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ) [المؤمنون: 115، 116] . فنزه نفسه سبحانه وباعدها عن هذا الحسبان، وأنه يتعالى عنه ولا يليق به لقبحه ولمنافاته لحكمته وملكه وإلهيته.
أفلا ترى كيف ظهر في العقل الشهادة بدينه وشرعه، وبثوابه وعقابه وهذا يدل على إثبات المعاد بالعقل، كما يدل على إثباته بالسمع. وكذلك دينه وأمره وما بعث به رسله، هو ثابت في العقول جملة، ثم علم بالوحي.