فهرس الكتاب

الصفحة 39 من 80

وأهل الجاهلية الذين لم يصل إليهم ما جاءت به الأنبياء في ضلال وجهل وشرك وشر؛ ولكن لا يهلكهم الله ويعذبهم حتى يرسل إليهم رسولًا.

والناس في مسألة"التحسين والتقبيح"على ثلاثة أقوال: طرفان ووسط.

وأما الوسط والصواب الذي عليه الحكماء والجمهور؛ أنه قد ثبت بالخطاب والحكمة الحاصلة من الشرائع ثلاثة أنواع:

(أحدها) أن يكون الفعل مشتملًا على مصلحة أو مفسدة، ولو لم يرد الشرع بذلك، كما يعلم أن العدل مشتمل على مصلحة العالم، والظلم يشتمل على فسادهم.

وهذا النوع هو حسن وقبيح، وقد يعلم بالعقل والشرع قبح ذلك؛ لا أنه أثبت للفعل صفة لم تكن؛ لكن لا يلزم من حصول هذا القبح أن يكون فاعله معاقبًا في الآخرة، إذا لم يرد الشرع بذلك.

(النوع الثاني) أن الشارع إذا أمر بشيء صار حسنًا وإذا نهى عن شيء صار قبيحًا، واكتسب الفعل صفة الحسن والقبح بخطاب الشارع.

و (النوع الثالث) أن يأمر الشارع بشيء ليمتحن العبد، هل يطيعه أم يعصيه؛ ولا يكون المراد فعل المأمور به، كما أمر إبراهيم بذبح ابنه، فلما أسلما وتله للجبين حصل المقصود ففداه بالذبح.

وأما الطرفان (فأولهما) المعتزلة؛ الذين لم يفهموا هذين النوعين الأخيرين بل غالوا في التحسين والتقبيح؛ وجعلوا الحسن والقبح صفات ذاتية لازمة لجميع الأفعال؛ وجعلوا الشرع كاشفًا عن تلك الصفات لا سببًا لشيء من الصفات مطلقًا.

وقالوا: إن العباد يعاقبون على أفعالهم القبيحة ولو لم يبعث إليهم رسول. وهذا خلاف النصوص. قال تعالى: (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا) [الإسراء: 15] ؛ وقال تعالى: (رُّسُلًا مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ) [النساء: 165] ، وقال تعالى: (وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا) [القصص: 59] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت