فهرس الكتاب

الصفحة 38 من 80

وأما الأدلة العقلية، فقد لا يتصورون أنه أتى بالأصول العقلية الدالة على ما يخبر به؛ كالأدلة الدالة على التوحيد والصفات؛ ومنهم من يقر بأنه جاء بهذا مجملًا، ولا يعرف أدلته.

وكثير من هؤلاء يعتقدون أن في ذلك ما لا يجوز أن يعلم بالعقل؛ كالمعاد وحسن التوحيد والعدل والصدق؛ وقبح الشرك والظلم والكذب.

والقرآن يبين الأدلة العقلية الدالة على ذلك؛ وينكر على من لم يستدل بها ويبين أنه بالعقل يعرف: المعاد؛ وحسن عبادته وحده؛ وحسن شكره، وقبح الشرك وكفر نعمه.

وكثير من الناس يكون هذا في فطرته، وهو ينكر تحسين العقل وتقبيحه إذا صنف في أصول الدين -على طريقة النفاة الجبرية أتباع جهم- وهذا موجود في عامة ما يقوله المبطلون: يقولون بفطرتهم ما يناقض ما يقولون في اعتقادهم البدعي.

ولقد كان ابن الجوزي ينشد في مجلس وعظه البيتين المعروفين:

هب البعث لم تأتنا رسله ... وحاجمة النار لم تضرم ...

أليس من الواجب المستحق ... حياء العباد من المنعم

فقد صرح في هذا بأنه من الواجب المستحق حياء الخلق من الخالق المنعم. وهذا تصريح بأن شكره واجب مستحق؛ ولو لم يكن وعيد ولا رسالة أخبرت بجزاء. وهو يبين ثبوت الواجب والاستحقاق، وإن قدر أنه لا عذاب.

وهذا هو الصحيح؛ ونتيجة فعل المنهي: انخفاض المنزلة وسلب كثير من النعم التي كان فيها؛ وإن كان لا يعاقب بالضرر.

فإن الوجوب والاستحقاق يعلم بالبديهة؛ فتارك الواجب وفاعل القبيح وإن لم يعذب بالآلام كالنار، فيسلب من النعم وأسبابه ما يكون جزاءه.

وهذا جزاء من لم يشكر النعمة بل كفرها؛ أن يسلبها. فالشكر قيد النعم؛ وهو موجب للمزيد. والكفر بعد قيام الحجة موجب للعذاب وقبل ذلك ينقص النعمة ولا يزيد.

مع إنه لا بد من إرسال رسول يستحق معه النعيم أو العذاب، فإنه ما ثم دار إلا الجنة أو النار.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت