فهرس الكتاب

الصفحة 9 من 80

فإن نفس تصديق الرسول فيما أخبر به عن ربه وطاعته، يقرر عند المرء علمًا يقينيًا بصحة ذلك، ثم إذا قوى النظر في أحواله، حصل له من اليقين الضروري الذي لا يمكنه دفعه ما يكون أصلًا راسخًا.

فهذا الطريق الفطري الإيماني يحقق من العلم اليقيني ما لا تحققه الطرق القياسية والرياضية.

فإن قال قائل [1] : فمن أين لك ابتداء صحة الإيمان بالله ورسوله، حتى يصير ذلك أصلًا تبني عليه، وتنتقل معه إلى ما بعده؟

فجواب هذه الشبهة هو المعارضة بالمثل:

فإن سالك سبيل النظر القياسي، أو الإرادة الذوقية: من أين له ابتداء أن سلوك هذا الطريق يحصل له علمًا ومعرفة؟!

ليس معه ابتداء إلا مجرد إخبار مخبر بأنه سلك هذا الطريق فوصل، أو خاطر يقع في قلبه بسلوك هذا الطريق، إذ كل العلوم كما ذكرنا لا بد للسالك فيها ابتداء من مصادرات يأخذها مسلمة إلى أن تتبرهن فيما بعد.

فإذا كان لا بد في الطريق القياسية، أو الذوقية، من تقليد في الأول -في سلوك ما لم يعلم أنه طريق، وأنه مفض إلى المطلوب، أو أن المطلوب موجود -فإن الطريقة الفطرية الإيمانية- إذا فرض أنها كذلك- لم يقدح ذلك فيها بل تكون هي أحق.

(1) يثير هذه الشبهة أتباع النظر القياسي من الفلاسفة والمتكلمين الذين تعبوا التعب الطويل لتقرير هذا الأصل في نفوسهم -وهو معرفة الله عز وجل- والذي يعتبر من بديهيات العقول عند أصحاب الفطر السليمة من أصحاب السنة والحديث بل وعند جمهور العقلاء. وقد تكلف هؤلاء الفلاسفة والمتكلمون الطرق الطويلة المعقدة التي يسمونها العقليات والنظريات والقياسات المبنية على المنطق اليوناني وما تفرع عنه. وفي مقابل هؤلاء سار أتباع الإرادات الذوقية في الطريق المقابل وحاولوا الوصول من طريق التأملات الصوفية والرياضات الروحية والتي ورثوا أصولها أيضًا من دروس المدارس الفلسفية اليونانية أو الفارسية أو الهندية أو غيرها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت