فالطريقة الفطرية الإيمانية شأنها شأن من طلب أن يحج إلى الكعبة، التي قد علم وجودها ابتداء، فيسلك الطريق التي يعلم أنها تفضي إلى الكعبة، لإخبار الناس له بذلك، أو يستدل بمن يعلم أنه عارف بتلك الطريق.
فسلوكه الطريق بنفسه، بعد علمه أنها طريق المقصود -بإخبار الواصلين، أو سلوكه بدليل خريط يهديه في كل منزلة- لا يكون إلا بعد العلم بثبوت المطلوب، وثبوت أن هذا طريق، ودليل.
وهكذا حال الطالبين لمعرفة الله، والمريدين له، والسائرين إليه، قد عرفوا وجوده أولًا، وهم يطالبون معرفة صفاته، أو مشاهدة قلوبهم له في الدنيا، فيسلكون الطريق الموصلة إلى ذلك: بالإيمان والقرآن.
فالإيمان: نظير سلوك الرجل الطريق التي وصفها له السالكون فإنهم متفقون على ذلك.
والقرآن: تصديق الرسول فيما أخبر به، وهو نظير اتباع الدليل منزلة منزلة.
ولا بد في طريق الله منهما.
فالطريقة القياسية، والرياضية، إذا سلكها المرء وأفضت به إلى المعرفة -إن أفضت! - علم حينئذ أنه سلك طريقًا صحيحًا، وأن مطلوبه قد حصل؛ وأما قبل ذلك فهو لا يعرف.
فأدنى أحوال الطريقة الفطرية الإيمانية -ولا دناءة فيها- أن تكون كذلك، فكيف إذا كانت تلك الطريقة مفضية قطعًا إلى المطلوب، ولا فساد فيها، وما سواها يعتريه الفساد كثيرًا، وهو لا يوصل وحده، بل قد يحصل نقيض مطلوبه [1] .
لا طريق إذن إلا الطريق الفطرية الإيمانية، أو ما يفضي إليها، أو يقترن بها، فهي شرط قطعًا في درك المطلوب، وما سواها ليس بشرط.
ولذلك كان أهل هذه الطريقة الفطرية الإيمانية -وهم أهل السنة والحديث- هم أعظم الناس علمًا ويقينًا وطمأنينة وسكينة. فهم الذين يعلمون، ويعلمون أنهم يعلمون، وهم بالحق يوقنون، لا يشكون ولا يمترون.
(1) وهذا هو الشقاء الأعظم الذي يتوء فيه أرباب المناهج الفلسفية والكلامية والصوفية المنحرفة ما لم يتداركهم الله برحمته فيعودون إلى منهج أهل السنة والجماعة.