وجه لا يخالف الشرع. فهذا النوع من الأنظمة الوضعية لا بأس به، ولا يخرج عن قواعد الشرع من مراعاة المصالح العامة.
وأما النظام الشرعي المخالف لتشريع خالق السموات والأرض فتحكيمه كفر بخالق السموات والأرض. كدعوى أن تفضيل الذكر على الأنثى في الميراث ليس بإنصاف، وأنهما يلزم استواؤهما في الميراث. وكدعوى أن تعدد الزوجات ظلم، وأن الطلاق ظلم للمرأة، وأن الرجم والقطع ونحوهما أعمال وحشية لا يسوغ فعلها بالإنسان، ونحو ذلك.
فتحكيم هذا النوع من النظام في أنفس المجتمع وأموالهم وأعراضهم وأنسابهم وعقولهم وأديانهم كفر بخالق السموات والأرض، وتمرد على نظام السماء الذي وضعه من خلق الخلائق كلها وهو أعلم بمصالحها سبحانه وتعالى عن أن يكون معه مشرع آخر علوًا كبيرًا) [1] .
وأخيرًا:
ها أنت أخي القارئ المنصف ترى أمامك كلام الله وكلام رسوله وأقوال العلماء وقد نقلت لك ثمانية أقوال للعلماء في أن هذه المسألة من الإجماع ونقلت لك الكثير من أقوال أهل العلم الربانين في ذلك، فإياك أن تخالف ذلك إلى أقوال بعض من لا خلاق لهم من أفراخ المرجئة والجهمية الجدد الذين وضعوا شروطًا وأمورًا ما أنزل الله بها من سلطان.
ولتتضح لك مسألة الحكم بالقوانين وأنها من الكفر الأكبر، أذكر لك هذا المثال:
لو أن حاكمًا من الحكام أتى بإنجيل النصارى أو توراة اليهود، وأخذ على نفسه القسم على تحكيمها في المسلمين وأقسم على احترمها وأنه لا يحكم بغيرها في بلده وأنه إن خالف ما فيها يكون مستحقًا للعقوبة، فما رأيك؟ أيكن هذا مسلمًا؟!
بالتأكيد عند كل من شم رائحة الإسلام والتوحيد أن هذا كفر أكبر وأنه إن فعل ذلك كان خارجًا من ملة الإسلام إلى حمأة الردة والكفر والعياذ بالله، وأظن أن هذا لا يخالف فيه العوام فضلًا عن العلماء، حتى أفراخ المرجئة والجهمية لا أظنهم يقولون إلا أن هذا العمل كفر مخرج من الإسلام. فإذا علمت ذلك وعلمت أن الإنجيل والتوراة أصلها دين سماوي لكنها منسوخة ومحرفة، فقل لي بربك كيف بمن يأتي بقوانين أوروبية كافرة ملحدة ظالمة صنعت وجمعت من زبالات أفكار البشر وهي تخالف كثيرًا من أحكام الشريعة جملةً وتفصيلًا؟! وقل لي بربك ما الفرق بين الاثنين؟! أنا أقول أن القوانين أشد كفرًا، إذ أن العلماء نقلوا الإجماع [2] على أن من عمل بالتوراة أو الإنجيل مما لم يأت بالشرع عليه وحي أنه كافر مع أن أصل التوراة والإنجيل من عند الله وهذه القوانين من عند الكفرة الفجار أولي العقول الناقصة.
(1) أضواء البيان (2/ 377 - 378) .
(2) وقد نقلت لك قول ابن القيم وابن حزم رحمهما الله في (ص22 - 23) .