فهرس الكتاب

الصفحة 13 من 30

لَعَلى سَبيلِ العَفْوِ والغُفْرانِ ... قال رحمه الله: (( ومن اعتقد أن غير هدي النبي صلى الله عليه وسلم أكمل من هديه، أو حكم غيره أحسن من حكمه؛ كالذي يفضل حكم الطواغيت على حكمه ) ).

المسألة الأولى:

أما المسألة الأولى، وهي:"من اعتقد أن غير هدي النبي صلى الله عليه وسلم أكمل من هديه"، فهي مسألة عظيمة خطيرة، تردي بمعتقدها إلى الجحيم؛ لأن ذلك مصادمة للمنقول والمعقول.

وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول في خطبة الجمعة:"أما بعد؛ فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد". أخرجه مسلم [60] وغيره من طريق جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر به.

فلا شك ولا ريب أن هدي محمد صلى الله عليه وسلم أكمل الهدي؛ لأنه وحي يوحى إليه؛ كما قال الله جل وعلا: (إِنْ هُوَ إلا وَحْيٌ يُوحَى) [61] .

ولذلك أجمع العلماء الذين يعتد بإجماعهم على أن السنة هي الأصل الثاني من أصول التشريع الإسلامي، وأنها مستقلة بتشريع الأحكام، وهي كالقرآن في التحليل والتحريم.

ولذلك جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لعمر لما رأى معه كتابًا أصابه من بعض أهل الكتاب:"أمتهوكون فيها يا ابن الخطاب؟! والذي نفسي بيده؛ لقد جئتكم بها بيضاء نقية .."الحديث، أخرجه أحمد وغيره وفي إسناده مجالد بن سعيد قال عنه أحمد ليس بشيء وضعفه يحيى ابن سعيد وابن مهدي وغيرهما.

فشريعة محمد صلى الله عليه وسلم ناسخة لجميع الشرائع، وهي أسهلها وأيسرها؛ كما قال النبي صلى الله عليه وسلم:"أحب الأديان إلى الله الحنيفية السمحة".

أخرجه البخاري في"الأدب المفرد"وعلقه في صحيحه بصيغة الجزم، وحسنه الحافظ ابن حجر في الفتح [1/ 94] من حديث ابن عباس.

فكيف مع ذلك يكون هدي غيره أكمل من هديه، وقد جاء عنه صلوات الله وسلامه عليه أنه قال:"والذي نفسي بيده؛ لو كان موسى بين أظهكم، ثم اتبعتموه وتركتموني، لضللتم ضلالًا بعيدًا"؟!

والله جلا وعلا قد امتن على هذه الأمة بأن أكمل لها الدين وأتم عليها النعمة، وذلك بواسطة محمد صلى الله عليه وسلم.

فقال تعالى: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الأِسْلامَ دِينًا) [62] .

فما رضيه الله لنا؛ فنحن نرضاه؛ لأنه الدين الذي أحبه ورضيه وبعث به أفضل المرسلين.

قال الله تعالى: (إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الأِسْلام) [63] . وقال تعالى: (وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الأِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ) [64] .

فكل من ابتغى غير هذا الدين؛ فهو من الكافرين.

المسألة الثانية:

وأما المسألة الثانية، وهي:"من اعتقد أن حكم غيره أحسن من حكمه، كالذي يفضل حكم الطواغيت على حكمه"، فهذا كافر بإجماع أهل العلم، ومن هؤلاء الكفار الذين يفضلون أحكام الطواغيت الوضعية على حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم فهؤلاء كفار؛ لتفضيلهم أحكام أناس مثلهم - بل قد يكونون دونهم - على حكم رسول رب العالمين، الذي بعثه الله هدى للعالمين، وليخرج الناس من الظلمات إلى النور.

قال تعالى: (الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ) [65] .

وينبغي لكل مسلم ومسلمه أن يعلم أن حكم الله ورسوله مقدمٌ على كل حكمٍ، فما من مسألة تقع بين الناس؛ إلا ومردها إلى حكم الله ورسوله، فمن تحاكم إلى غير حكم الله ورسوله؛ فهو كافر؛ كما ذكر الله ذلك في سورة النساء: فقال تعالى: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالًا بَعِيدًا) الآية إلى أن قال جل وعلا: (فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) [66] .

أقسم الله جل وعلا بنفسه أنهم لا يؤمنون حتى يستكملوا ثلاثة أشياء:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت