ونختم هذا الشرح بما قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله في"كشف الشبهات"؛ فإنه كلام، عظيم، يبين ما تقدم ويزيل اللبس والإشكال، لكثرة الواقعين فيه؛ لإعراضهم عن تعلم دينهم، وما أوجب الله عليهم.
قال رحمه الله:"لا خلاف أن التوحيد لابد أن يكون بالقلب واللسان والعمل، فإن اختل شيء من هذا؛ لم يكن الرجل مسلمًا."
فإن عرف التوحيد ولم يعمل به؛ فهو كافرٌ معاندٌ؛ كفرعون وإبليس وأمثالهما، وهذا يغلط فيه كثيرٌ من الناس؛ يقولون: هذا حق، ونحن نفهم هذا، ونشهد أنه الحق، ولكنا لا نقدر أن نفعله، ولا يجوز عند أهل بلدنا؛ إلا من وافقهم .. أو غير ذلك من الأعذار، ولم يدر المسكين أن غالب أئمة الكفر يعرفون الحق ولم يتركوه إلا لشيء من الأعذار؛ كما قال تعالى: (اشْتَرَوْا بِآياتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا) [113] وغير ذلك من الآيات؛ كقوله: (يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ) [114] .
فإن عمل بالتوحيد عملًا ظاهرًا وهو لا يفهمه أو لا يعتقده بقلبه؛ فهو منافق، وهو شر من الكافر الخالص: (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ) [115] .
وهذا المسألة مسألة كبيرة طويلة، تتبين لك إذا تأملتها في ألسنة الناس، ترى من يعرف الحق ويترك العمل به، لخوف نقص دنيا أو جاه [116] أو مداراةٍ لأحد، وترى من يعمل به ظاهرًا، لا باطنًا فإذا سألته عما يعتقد بقلبه؛ فإذا هو لا يعرفه.
ولكن عليك بفهم آيتين من كتاب الله:
أولاهما: قوله تعالى: (لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ) [117] .
فإذا تحققت أن بعض الصحابة الذين غزوا الروم مع الرسول صلى الله عليه وسلم كفروا بسبب كلمة قالوها على وجه المزح واللعب؛ تبين لك أن الذي يتكلم بالكفر أو يعمل به خوفًا من نقص مالٍ أو جاه أو مداراة لأحد أعظم ممن يتكلم بكلمة يمزح بها.
والآية الثانية: قوله تعالى: (مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إلا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالأِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ * ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ) [118] .
فلم يعذر الله من هؤلاء إلا من أكره مع كون قلبه مطمئنًا بالإيمان، وأما غير هذا؛ فقد كفر بعد إيمانه، سواء فعله خوفًا أو طمعًا أو مداراة أو مشحة بوطنه أو أهله أو عشيرته أو ماله أو فعله على وجه المزح أو لغير ذلك من الأغراض؛ إلا المكره؛ فالآية تدل على هذا من وجهين:
الأول: قوله: (إلا مَنْ أُكْرِهَ) : فلم يستثن الله تعالى إلا المكره، ومعلوم أن الإنسان لا يكره إلا على الكلام أو الفعل، وأما عقيدة القلب؛ فلا يكره عليها أحد.
الثاني: قوله تعالى: (ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ) : فصرح أن هذا الكفر والعذاب لم يمن بسبب الاعتقاد أو الجهل أو البغض للدين أو محبة الكفر، وإنما سببه أن له في ذلك حظًّا من حظوظ الدنيا، فآثره على الدين، والله سبحانه أعلم"."
[113] التوبة: 9.
[114] البقرة: 146.
[115] النساء: 145.
[116] وهذا كثير في زماننا وقد والله وصل الأمر إلى ما هو أعظم من ذلك فترى من يحارب أهل التوحيد والاتباع ويتقرب إلى أسياده بذمهم وشكايتهم لئلا يقطعو عنه الرشاء ومع ذلك يزعم الإيمان ويظهر التأسف على من نابذ أعداء الله وتقرب إلى الله بمقتهم فقد جمع مع النفاق التفريط في التوحيد وإهمال حقوقه فالله المستعان.
[117] التوبة: 66.
[118] النحل: 106 - 107.