أن ذلك من قبيل الاستدلال بالآيات التي نزلت في الشرك الأكبر على الشرك الأصغر كما قال حذيفة لما رأي رجلا في عضده خيط: {وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون} وأن ذلك من باب ما يؤول إليه الأمر، ومن باب التغليظ كما في قوله صلى الله عليه وسلم للذي قال له: ما شاء الله وشئت فقال صلى الله عليه وسلم:"أجعلتني لله ندا".
الوجه الثالث:
أن المشبه يشبه المشبه به في بعض الأوجه دون بقيتها كما في قوله تعالى: {كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا إلا عشية أو ضحاها} وقول النبي صلى الله عليه وسلم: (( من صلى العشاء في جماعة فكأنما قام نصف الليل، ومن صلى الفجر في جماعة فكأنما قام الليل كله ) ).
ومعلوم أن ثواب فاعل هذه الأشياء لم يبلغ ثواب المشبه به فيكون قدرهما سواء، ولو كان قدر الثواب سواءً لمصلي العشاء والفجر، لم يكن لمصلي العشاء والفجر في جماعة في قيام الليل منفعة، غير التعب والنصب، وكما في قوله صلى الله عليه وسلم: (( مدمن الخمر كعابد وثن ) ).
قال ابن القيم ـ رحمه الله ـ:
(ولا يلزم من تشبيه الشيء بالشيء أخذه بجميع أحكامه) اهـ [الداء والدواء ص: 181] .
فطلب الصحابة مشابه لطلب بني إسرائيل، في أن كلا منهما طلب أمر لا يجوز شرعا؛ إلا أن طلب بني إسرائيل في الشرك الأكبر، وطلب الصحابة هو في مشابهة المشركين.
أما قول صاحب رسالة"القول المبين": (وأما الادعاء أن المشبه به غير المشبه، فيكفي في دفع ذلك أن يقال نعم هذا العمل ليس هو عين قول بني إسرائيل ولكنه من جنسه) [القول المبين في ضابط تكفير المعين ص: 20] .
فالجواب عليه:
أنه إن كان يقصد بقوله (ولكنه من جنسه) أن كلا منهما شرك أكبر، فهذا قول باطل، وقد قدمنا الدليل على بطلانه.
وإن كان يقصد بذلك أنه من جنسه أي في أن كلا منهما لا يجوز طلبه فهذا صحيح.