احتج بعض من يري العذر بالجهل في المسائل كلها بحديث الرجل الذي أوصى بتحريق نفسه، وقال بأنه رجل قد شك في قدرة الله على إعادته فغفر الله له بجهله.
والحديث هو ما رواه البخاري وغيره من حديث حذيفة (3479) وأبي سعيد الخدري (3478) وأبي هريرة (3481) والفظ لحديث أبي هريرة:
(( عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: كَانَ رَجُلٌ يُسْرِفُ عَلَى نَفْسِهِ فَلَمَّا حَضَرَهُ الْمَوْتُ قَالَ لِبَنِيهِ إِذَا أَنَا مُتُّ فَأَحْرِقُونِي ثمَّ اطْحَنُونِي ثُمَّ ذَرُّونِي فِي الرِّيحِ فَوَاللَّهِ لَئِنْ قَدَرَ على رَبِّي لَيُعَذِّبَنِّي عَذَابًا مَا عَذَّبَهُ أَحَدًا فَلَمَّا مَاتَ فُعِلَ بِهِ ذَلِكَ فَأَمَرَ اللَّهُ الأَرْضَ فَقَالَ اجْمَعِي مَا فِيكِ مِنْهُ فَفَعَلَتْ فَإِذَا هُوَ قَائِمٌ فَقَالَ مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا صَنَعْتَ قَالَ يَا رَبِّ خَشْيَتُكَ فَغَفَرَ لَهُ وَقَالَ غَيْرُهُ مَخَافَتُكَ يَا رَبِّ ) ).
مذاهب العلماء في فهم هذا الحديث (حديث الرجل ذي أوصي بتحريق نفسه) :
المذهب الأول:
الأخذ بظاهر الحديث، وأن الرجل شك في قدرة الله؛ إلا أنه كان جاهلا فعذر بالجهل.
وممن قال بهذا القول من أهل العلم ـ رحمهم الله ـ:
ـ الإمام ابن قتيبة رحمه الله:
حيث يقول: (وهذا رجل مؤمن بالله مقر به خائف له إلا أنه جهل صفة من صفاته فظن أنه إذ أحرق وذري الريح أنه يفوت الله تعالى فغفر الله تعالى له بمعرفته تأنيبه وبمخافته من عذابه جهله بهذه الصفة من صفاته) [تأويل مختلف الحديث ص: 119] .
ـ الإمام ابن حزم رحمه الله:
حيث يقول: (فهذا إنسان جهل إلى أن مات أن الله عز وجل يقدر على جمع رماده وإحيائه وقد غفر له لإقراره وخوفه وجهله) [الفصل في الملل والأهواء والنحل (3/ 140) ] .