وكان البويطي وهو في الحبس يغتسل كل جمعة، ويتطيب، ويغسل ثيابه، ثم يخرج إلى باب السجن إذا سمع النداء، فيردّه السجان، فيقول البويطي: (اللهم! إني أجبت داعيك فمنعوني) .
وكتب البويطي إلى الذهلي: (أسألك أن تعرض حالي على إخواننا أهل الحديث، لعل الله يُخلِّصني بدعائهم، فإني في الحديد، وقد عجزتُ عن أداء الفرائض؛ من الطهارة والصلاة. فضجّ الناس بالبكاء والدعاء له) .
قال السبكي: (انظر إلى هذا الحبر رحمه الله لم يكن أسفه إلا على أداء الفرائض، ولم يتأثر بالقيد ولا بالسجن، فرضي الله عنه، وجزاه عن صبره خيرًا) [1] .
ولما سُجن علي بن الجهم أنشد أبياتًا رائعة، منها:
قالوا حُبستَ فقلتُ ليس بضائري حبسي، وأي مهند لا يُغمدُ؟!
والشمس لولا أنها محجوبة ... عن ناظرَيْك لما أضاء الفرقدُ
والبدر يدركه السرار فتنجلي ... أيامه وكأنه متجددُ
والحبس إن لم تغشه لدنِيَّة في ... الدهر نعم المنزل المتوددُ
وسُجن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله سبع مرات، وكان سجنه أسوأ من سجن النصارى - كما قال - في مناظرته لمخالفيه بشأن العقيدة الواسطية: (ثم النصارى في حبس حسن، يشركون فيه بالله، ويتخذون فيه الكنائس، فيا ليت حبسنا كان من جنس حبس النصارى، ويا ليتنا سُوّينا بالمشركين وعبّاد الأوثان! بل لأولئك الكرامة ولنا الهوان .. وبأي ذنب حُبس إخوتي في دين الإسلام؛ غير الكذب والبهتان؟!) [2] .
ومع ذلك كله؛ فإن ابن القيم يحكي حال شيخه في سجن القلعة بدمشق فيقول: (وكان - ابن تيمية - يقول في محبسه في القلعة: لو بذلت لهم ملء هذه القلعة ذهبًا ما عدل عندي شكر هذه النعمة. أو قال: ما جزيتهم على ما تسببوا لي من الخير. وعلم الله؛ ما رأيت أحدًا أطيب عيشًا منه قط .. وكنا إذا اشتد بنا الخوف، وساءت بنا الظنون، وضاقت
(1) انظر: طبقات السبكي، 2/ 164، 165.
(2) مجموع الفتاوى، 3/ 254.