ومعنى الاستعلاء في عَلى هُدًى تمثيل تمكنهم من الهدى واستقرارهم عليه بحال من اعتلى الشيء وركبه، وقد صرحوا به في قولهم:
امتطى الجهل وغوى واقتعد غارب الهوى، وذلك إنما يحصل باستفراغ الفكر وإدامة النظر فيما نصب من الحجج والمواظبة على محاسبة النفس في العمل.
ونُكِّرَ (هدًى) للتعظيم فكأنه أريد به ضرب لا يبالغ كنهه ولا يقادر قدره، ونظيره قول الهذلي:
فلا وأبي الطيرُ المربَّةَ بالضُّحَى ... على خالدٍ لقدْ وقَعْتَ على لحم
وأُكِد تعظيمه بأن الله تعالى مَانِحُهُ والموفق له.
(وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) كرر فيه اسم الإشارة تنبيهًا على أن اتصافهم بتلك الصفات يقتضي كل واحدة من الأثرتين وإن كلًا منهما كاف في تمييزهم بها عن غيرهم، ووسط العاطف لاختلاف مفهوم الجملتين هاهنا بخلاف قوله (أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ) ، فإن التسجيل بالغفلة والتشبيه بالبهائم شيء واحد فكانت الجملة الثانية مقررة للأولى فلا تناسب العطف.
(تنبيه)
تأمل كيف نبه سبحانه وتعالى على اختصاص المتقين بنيل ما لا يناله كل أحد من وجوه شتى، وبناء الكلام على اسم الإشارة للتعليل مع الإيجاز وتكريره وتعريف الخبر وتوسيط الفصل، لإظهار قدرهم والترغيب في اقتفاء أثرهم، وقد تشبث به الوعيدية في خلود الفساق من أهل القبلة في العذاب، ورد بأن المراد بالمفلحين الكاملون في الفلاح، ويلزمه عدم كمال الفلاح لمن ليس على صفتهم، لا عدم الفلاح له رأسًا.