قال الشَّافِعِي رحمه الله: قال الله - عزَّ وجلَّ: (إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُهُ) الآية والتي بعدها ، وقال فِي سياقها: (وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى) .
وذكر اللَّه شهود الدَّين فذكر فيهم النساء ، وكان الدَّين أخذ مال من الشهود عليه ، والأمر على ما فرق اللَّه بينه من الأحكام فِي الشهادات ، أن ينظر كل ما شهد به على أحد ، فكان لا يؤخذ منه بالشهادة نفسها مال ، وكان إنَّما يلزم بها حق غير مال ، أو شهد به
رجل ، وكان لا يستحق به مالاً لنفسه ، إنما يستحق به غير مال ، مثل: الوصية والوكالة والقصاص والحد وما أشبهه ، فلا يجوز فيه إلا شهادة الرجال ، لا يجوز فيه امرأة ، وينظر كل ما شهد به مما أخذ به المشهود له من المشهود عليه مالاً فتجوز فيه شهادة النساء مع الرجال ؛ لأنه معنى الموضع الذي أجازهن اللَّه فيه ، فيجوز قياساً لا يختلف هذا القول ، فلا يجوز غيره - واللَّه تعالى أعلم - .
ومن خالف هذا الأصل ترك عندي ما ينبغي أن يلزمه من معنى القرآن ، ولا أعلم لأحد خالفه حجة فيه بقياس ، ولا خبر لازم ، وفي قول الله عزَّ وجلَّ: (فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى) الآية ، دلالة على أن لا تجوز شهادة النساء حيث نجيزهن إلا مع رجل ، ولا يجوز منهن إلا أمرأتان فصاعداً ؛ لأن اللَّه - عز وجل - لم يسم منهن أقل من اثنتين ، ولم يأمر بهن اللَّه إلا مع رجل.
الأم (أيضاً) : باب (ما على من دُعيَ يشهد بشهادة قبل أن يسألَها) :